• Friday, 19 April 2024
logo

الأديبة المصرية سلوى بكر ل"كولان ": حرية المرأة مرتبطة بتمكينها وشعوبنا تخلط فى تعاملها مع النساء بين العام والخاص

الأديبة المصرية سلوى بكر ل
-الفلول والإسلاميون يسعون لإغتيال الثورة
-الشعب المصرى دينه الإعتدال ...ولايمكن خداعه طول الوقت
-لانهضة بدون النهوض بالتعليم وتنشئة مواطن يعى حقوقه وواجباته
-المواطنة القاعدة الذهبية لحل كل مشكلات مصر ولامكان لدولة النوبة


الأديبة سلوى بكر هى بشهادة النقاد والمثقفين أفضل كاتبات مصر على الإطلاق ،أصدرت حتى الآن مجموعة قصصية و رواية ومسرحية واحدة ،وترجمت أعمالها إلى لغة ،ومازالت تعتبر نفسها رغم ذلك هاوية ، تنحاز للمهمشين رجالا ونساء سواء فى كتاباتها التاريخية أو المعاصرة ،كما تنحاز للقضايا الإنسانية العادلة وتتحدث عن المسكوت عنه ،والمرأة عندها ليست المعشوقة الجميلة ،بل تعبر عن النساء الموجودات فى الحياة واللاتى لا يراهن أحد فى الأدب أو يشعر بهن وبتعاستهن ،واللاتى عادة مايواجهن الحياة وحيدات ،أما مطلقات أو أرامل أو مهجورات أو عوانس ،ولا تتغزل فى جمال أي منهن ،بل غالبا ما أقدم نوعيات من النساء لايتوقف أحد عندهن .تتميز سلوى بكر بقوة الشخصية والإعتداد بالنفس .وفى الحوار التالى نتحدث معها عن حياتها وإبداعها وأيضا عن قضايا الوطن :


أجرت الحوار
أسماء الحسينى



- من أين تنبع قوة شخصيتك وآرائك وكتابات ؟

=المسألة ليست قوة شخصية بقدر ماهى أن يكون لدى الشخص مرجعية ثقافية وثقافة تعينه على المحاججة والمواجهة ودحض الحجة بالحجة ،فمن هنا تاتى القوة ،لوكان هناك قوة ،لكننى أعتقد أننى امرأة عادية .

-قصدت أن أسأل عن العوامل التى ساهمت فى بلورة شخصيتك ؟

=بالطبع عوامل النشاة ساهمت فى بلورة شخصيتى ،وكان أفراد كثيرون من أسرة أمى من المثقفين الذين عملوا بالتدريس وانخرطوا فى العمل العام والحياة الثقافية ،ومن ثم نشات فى مناخ استطعت أن أرى فيه ،وأنا طفلة صغيرة شخصيات مؤثرة فى تاريخنا الثقافى مثل الدكتور شوقى ضيف وعبد القادر المازنى ومحمود غنيم والفنان بيكار ،وقد كانوا جميعا أصدقاء لأهل أمى ،وكان لدى اقارب والدتى هؤلاء مكتبات محترمة لها غرف خاصة بها ،وفى هذا المناخ قرأت منذ سن باكرة المنفلوطى وتعرفت على كتابات نجيب محفوظ وغيرهم من الكتاب والمفكرين ،وهذا المناخ ساعد على تكوينى ،بالإضافة إلى أننى أنتمى إلى جيل الثقافة والتعليم لديه لا ينفصمان ،وقد كانت المدرسة هى المرشد الأول لنا عبر العديد من البرامج الراقية ،تتمثل فى القراءة الحرة وكتب الأدب الرفيعة والنصوص الأدبية الراقية والفنون الجميلة والمسرح المدرسى والموسيقى والغناء ،وكل هذا أدى غلى تكوين ثقافى متميز لجيلى ،ربما لم تحظ به الأجيال الجديدة .

-فى كتابات جميعا تنحازين للمهمشين والمقموعين والمغمورين ؟
=إنحيازاتى للمهمشين تنبع من أننى أنتمى لجيل تربى على الإنحياز للقيم الإنسانية النبيلة ،ونشأ وهو يحلم بالعدالة والحرية ورفض الإستعمار والسعى لحرية الوطن ،وكل ذلك كان البوابة التى قادتنا للإنحياز للمهمشين ،وأنا أرى أن هؤلاء المهمشين تم تهميشهم دوما بفعل فاعل ،فالتهميش معناه الحقيقي عدم تمكين الإنسان من إتخاذ القرار ،سواء الخاص أم العام ،وحرمانه من التعليم ومن قدرات إتخاذ القرار وإمتلاك خبرات إنسانية أو رؤية فى الحياة ..وقد اكتشفنا خلال عهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك أن غالبية الشعب المصرى أصبحت مهمشة ،فجيل الستينات من أدباء مصر كان يكتب عن بعض فئات المجتمع بوصفهم مهمشين ،أما فى عهد مبارك فقد أصبح الشعب كله مهمشا ،ومن بين الفئات التى تم تهميشها الأطباء والمهندسين والكتاب الحقيقيين وكل صاحب موهبة حقيقية ،وبالنظر إلى جوائز الدولة فى عهد مبارك سنجد أنها كانت تمنح لمن لايستحقونها ،ويتم عبرها تهميش كل أصحاب الغمكانيات والمواهب فيما عدا إستثناءات محدودة .

- أيضا لديك جرأة فى تناول المحرمات والمسكوت عنه ؟

=مايطلق عليه المحرمات الآن لم يكن كذلك فى أى يوم طوال تاريخنا وعلى مدى ثقافتنا العربية ،وفى العصور الإسلامية المستنيرة تطرق الأديب والمبدع لكل الموضوعات التى تسمى محرمات الآن ،سواء فيما يتعلق بالمواجهات السياسية وبالجنس ،بل وكانت هناك كتابات تخوض فى المسائل الإلهية ،فى الوجود الإلهى وصفات الله ،أى أن الحوار الدينى لم ينقطع ،وكانت هناك شجاعة وجرأة فى تناول الموضوعات لذا ازدهرت الحضارة الإسلامية ،لأن القول بأن هناك محرمات يعنى القمع والقهر ليس للكاتب فحسب ،بل لكل نهضة إنسانية ، وقد حبا الله الإنسانية بالعقل ،وأعطاه لنا لكى نفكر ونناقش ونتخيل بلا حدود ،أما عدم الخوض فى موضوعات بعينها تحت ذريعة أنها محرمات فهى إختراع قامت به النظم الإستبدادية لإعاقة أى مشروع نهضة فى المجتمع .

-ألم يجلب لك تناول تلك المحرمات المشكلات ؟

=أنا ضد التعامل مع المحرمات بموقف صدامى ،بل يجب أن يكون ذلك من خلال الأدب لإكتساب القراء لأفكار حرة وعقلانية ومستنيرة ،وعندما أخوض فى تلك المحرمات يكون من خلال لغة وقاموس مشترك مع القارىء ،وإستنادا إلى العقل والمنطق ولقاسم مشترك أدنى مع عقول الآخرين فى المجتمع .

-هل العبء الملقى على المرأة الأديبة فى هذه الحالات يكون مضاعفا ؟

=كونى امرأة لايجب أن يمنعنى من الخوض فى المحرمات ،فلو قرر الإنسان الإنحياز للمبادىء والقيم فلايجب أن يعرقله عن ذلك تقسيمات النوع أو العرق او الدين أو غيرها ،فأنا إنسان وعندما اشرع فى الكتابة يجب أن أنسى نوعى ،لأطرح قضايا إنسانية وعادلة تقبل من القارىء .

-كيف وجدت طريقك إلى عالم الرواية ؟وماذا وجدت فيها ؟

= تجربة أدبية ممتعة وبها لذة المغامرة والإكتشاف والرغبة فى المعرفة وبلورتها بما يلائم النص والعمل الروائي ،وقبل أن أكتب الرواية أصدرت مجموعة قصصية "زينات فى جنازة الرئيس " عام 1986،والرئيس هنا هو جمال عبد الناصر ،وكان ذلك على حسابى الخاص ،وعند صدورها احتفى بها وكتب عنها نقاد وكتاب كثيرون كبار ،مما شجعنى على إصدار رواية قصيرة "مقام عطية " عام 1989وايضا لفتت إنتباه النقاد والقراء ،وفى نفس العام تم إعتقالى وسجنى فى سجن القناطر للنساء بتهمة تحريض عمال الحديد والصلب للإضراب ،وكنت السجينة السياسية الوحيدة وكانت السجانة شخصية إنسانية سمحت لى بالاختلاط بالسجينات الجنائيات، فاختلطت بهن واستمعت إليهن ،وكتبت عنهن "العربة الذهبية لاتصعد للسماء " التى ترجمت إلى 16 لغة ولاقت قبولا كبيرا وكرستنى ككاتبة ،ومن هنا كان الطريق للرواية ،ومازلت أستمتع بكتابة القصة القصيرة ،ولدى منها 8 مجموعات منشورة ،كما كتبت مسرحية "حلم السنين "وهى تتناول موضوع التوريث بإعتباره تراجيديا وكارثة مجتمعية على نحو ساخر ،ولدى حتى الآن 9 روايات .

-هل حققت ماتطمحين إليه عبر هذه المسيرة الطويلة ؟

=هناك بعضا من أعمالى أصبحت علامة فى تاريخ الرواية ،ومنها "البشمورى " التى اختيرت كواحدة من أفضل مائة رواية صدرت خلال القرن الماضى ،وأعمالى ترجمت إلى حوالى 18 لغة ،وهذه الترجمات العديدة تدل على أنها تحوز القبول فى مناخات ثقافية مختلفة ،وهو فى رأيى نوع من التقدير ،ومنحتنى الإذاعة الألمانية جائزة عام 1993 .

-وماذا عن تكريمك فى مصر ؟

=فى مصر المناخ الثقافى غير سوى ،وتشوبه شوائب كثيرة ،وقد طاله الفساد الذى طال كل نواحى الحياة ،وأنا لا أنتمى من الشلل أو الجبهات الثقافية الموجودة ،وصدامية فيما يتعلق بالحق ،وهذا المناخ الثقافى الفاسد يستبعد ويهمش المبدعين الحقيقيين لأسباب لا تتعلق بالموضوعية ،ولذا لم أحظ بالتكريم فى مصر ،ربما التكريم الوحيد الذى حصلت عليه كان من صحيفة الأهرام منذ عدة سنوات عن رواية "البشمورى"،وأنا أفخر أننى لم أحصل على أى من جوائز الدولة خلال عهد مبارك ،وما أحوزه حقا وأسعد به هو التقدير الواسع من قراء متباينيين على مستوى العالم العربى والخارج ،وهو التكريم الحقيقى الذى أفخر به .

-كأنك حاولت عبر جميع أعمالك الحفاظ على الخصوصية الثقافية فى ظل ثقافات مهيمنة ؟

= أظن كلما أوغلنا فى خصوصيتنا الثقافية وملامح هويتنا الخاصة وفى التعبير عن كل ماهو محلى وإنسانى فى مجتمعاتنا ،اظن أن ذلك يعطى للعمل الإبداعى قيمة هائلة ،وهذه الخصوصية قيمة مهمة يجب أن نحافظ عليها ،وربما لهذا السبب تتم ترجمة معظم أعمالى .

-هناك من يرى أن بعض أدبائنا يكتبون أعمالهم وفقا للمعايير التى يرتضيها الغرب حتى تحظى بقبوله ؟

= لاأميل للتشكيك فى دوافع البعض للكتابة ،فكل يكتب بطريقته الأفكار التى يراها ،وعلى الآخرين إما القبول بها أو رفضها ،دون البحث أو التشكيك فى دوافع الكتابة ،والمشكلة ليست في من توجه إليهم الكتابة أو دوافعها ،بل فى قيمتها ،وهل تستحق التوقف عندها أم لا .

-الحرية كانت هاجسا لك فى جميع أعمالك تقريبا ؟

=أرغب فى أن يحقق الإنسان حرية لاحدود لها ،لكن هذه الحرية إذا خرجت عن سياقاتها لن تكون حرية بل عبث ، فهل يمكن أن يطير طائر بلا أجنحة أو مقصوص الجناحين ،وهكذا الإنسان لايمكن أن تتحقق حريته بلا إرادة وبلا سياقات توضع فيها .

-وكيف ترين حرية المرأة فى بلادنا ؟

=إذا كنا نتحدث عن حرية المرأة فكيف يكون ذلك قبل الحديث عن حقها فى العمل والتعليم والرعاية الصحية ، أن نتشدق بحرية المرأة والسواد الأعظم من نسائنا فقيرات وبلا تعليم فهذا لايجوز ،لأن حرية المرأة مرتبطة بتمكينها من تعليم وخبرات ومعرفة .

وماذا عن تجربتك السياسية ؟

=ليس لى تجربة طويلة فى العمل السياسى ،ولا أحب الإشتغال به على المستوى الشخصى ،لكننى نشات مع جيل ثورة يوليو 1952،الذى كان يخرج لتاييد الثورة فى الجزائر ولتأييد حركات التحرر فى أفريقيا ،ثم أحدثت فينا نكسة يوليو 1967 تحولات عميقة ،وظل هاجس إحتلال سيناء يسكن كل واحد منا ،وقد اشتركت وقتها فى الحركة الطلابية ومظاهرات عام 1968 ،ورغم ذلك يصعب تصنيفى كامرأة عملت بالسياسة مقارنة بابناء جيلى الآخرين ،وقدعشت تجربة الغزو الإسرائيلى للبنان وحملت السلاح مع المقاومة الفلسطينية عام 1982 ،ولم أكتب بعد عن هذه التجربة بعد.

-لماذا تقل أعداد النساء المبدعات فى بلادنا؟

= كيف تصبح المرأة مبدعة فى بلدنا ،فهناك مسئوليات عديدة ملقاة على عاتقها داخل بيتها وخارجه ،والمجتمع لايعترف بها بصفة عامة إلا غذا قامت بوظائف الأسرة ،وأى امرأة تخرج عن هذا السياق لايعترف بها ،فطوال الوقت يخلط المجتمع فى تعامله مع المرأة بين العام والخاص .

وماذا عن تجربتك السياسية ؟

=ليس لى تجربة طويلة فى العمل السياسى ،ولا أحب الإشتغال به على المستوى الشخصى ،لكننى نشات مع جيل ثورة يوليو 1952،الذى كان يخرج لتاييد الثورة فى الجزائر ولتأييد حركات التحرر فى أفريقيا ،ثم أحدثت فينا نكسة يوليو 1967 تحولات عميقة ،وظل هاجس إحتلال سيناء يسكن كل واحد منا ،وقد اشتركت وقتها فى الحركة الطلابية ومظاهرات عام 1968 ،ورغم ذلك يصعب تصنيفى كامرأة عملت بالسياسة مقارنة بابناء جيلى الآخرين ،وقدعشت تجربة الغزو الإسرائيلى للبنان وحملت السلاح مع المقاومة الفلسطينية عام 1982 ،ولم أكتب بعد عن هذه التجربة بعد.


-وكيف تقيمين آداء البرلمان المصرى وموقفه من قضايا المرأة على ضوء صعود الإسلاميين ؟

=عندما يأتى برلمان تكون الأولوية فيه لخفض سن الزواج وإلغاء قانون الخلع وخفض سن حضانة الأم لأبنائها ،فهذا يعنى بمنتهى الوضوح أن أوضاع النساء فى مصر مهددة إذا كانت هذه هى أولويات البرلمان ،وكنت أنتظر أن تمنح مزيد من الحقوق للنساء وفقا للشريعة الإسلامية التى نعمل بها قبل صعود الإسلاميين ،فالشريعة الإسلامية موجودة فى كل دساتير مصر منذ دستور عام 1923 ،ولا ننتظر من أحد أن يعلمنا كيف يطبق لنا الشريعة ،وهذا البرلمان لايرى أوضاع الفقر المزرى الذى يعانى منه الشعب المصرى ،ويهدد حرية الفكر والتعبير .

-وكيف تقيمين مجمل المشهد الحالى ؟

= أرى أن هناك طرفان يسعيان لإغتيال الثورة ،الطرف الأول هم فلول النظام السابق ،والطرف الثانى هم الإسلاميون ،بينما الشعب المصرى قد قام بثورته هذه من أجل الخبز ووالحرية والعدالة الإجتماعية ،ومن لايضع هذه الأهداف كأولويات لا يصلح لقيادة هذا الشعب .

-والثورة المصرية ماذا أنجزت حتى الآن ؟

= أرى الثورة المصرية كأعظم ثورة فى تاريخ البشرية ،وأنها غير مسبوقة بكل المقاييس ،حيث خرجت الملايين من المصريين لتقول لا لنظام فاسد ،ولترفض القهر والظلم دون أن يقودها حزب سياسى منظم أو يسبقها إعداد ،ولم ترفع إلا شعار "سلمية " وعدم إستخدام العنف ،إنها ثورة غير مسبوقة رغم كل محاولات الإنتقاص منها ،ورغم كل الدماء التى سالت بسبب عنف النظام السابق .

-هل انتهى دورها الآن ؟

=طالما الأسباب التى قامت من أجلها الثورة لم تنتفى ستستمر الثورة ،يمكن أن تحبط أو تقمع لكنها لن تموت .

-لكن القوى الثورية مشتتة وضعيفة ولا تتوحد ؟

= يحاولون تشويه الثورة ،والقوى الثورية موجودة ،هى بالفعل غير منظمة ،لكنها موجودة ،ولها تأثيرها ،والثورة ليست فقط الوقوف فى ميدان التحرير ،فهناك متغيرات كبيرة لم تكن لتحدث لولا هذه الثورة ،كل مانراه الآن من تطورات إيجابية هى نتاج ثورة 25 يناير .

-تبدين متفائلة بمستقبل البلد...ماسر تفاؤلك ؟

=متفائلة تماما بمستقبل الأوضاع فى مصر ،وأراهن فى ذلك على الشعب المصرى العظيم ،الذى يفهم ويحاول المزيد من الفهم ،ويتخذ المواقف فى الوقت المناسب ،وأعتقد أننى استطيع الرهان عليه فى الزمن القادم .

-هذا الشعب البعض يرى أنه يمكن خداعه أو التلاعب به بسهولة ؟

= أعتقد أن الشعب المصرى لايمكن خداعه دائما ،فهو ينطبق عليه المثل "يمكن خداع بعض الناس لبعض الوقت لكن لايمكن خداع كل الناس لكل الوقت " .

-وهو شعب أيضا يفتقد التجربة السياسية بعد سنوات طويلة جدا من القهر والإستبداد ؟

= وعى الناس يزداد بعد الثورة ،وكل المؤشرات تشير إلى الناس فى مصر تسعى الآن لإختيار الافضل ،وليس بروح القطيع كما كان فى الماضى ،وهم فى البداية ايدوا الإسلاميين ،والآن تراجعت شعبيتهم بقوة بعد تقييم الشعب لآدائهم .

-أيضا المصريون يضعفون تجاه أى طرف يرفع شعارات الإسلام ؟

=المصريون شعب متدين ،ودينهم الإعتدال ،فهم لايحبون التطرف ،ونحن شعب قديم عرفنا الدين منذ فجر التاريخ ،ولدينا الدين الذى نتقبله ونهضمه ونحن مستريحى الضمائر .

-هناك مخاوف من الفتنة الطائفية ؟

=طالما يحتفل المصريون جميعا بشم النسيم فهناك وحدة وطنية ،وقد احتفلنا هذا العام بأجمل شم نسيم ،ونحن نسيج وطنى واحد ،والفتنة الطائفية تحدث دائما بفعل فاعل ،وبفعل الإستبداد السياسى وتراجع حقوق المواطنة .

-هل تزايد ت مخاوف الأقباط بعد الثورة ؟

= مخاوف الأقباط فى تراجع الآن بعدد أن تعاملوا مع أنفسهم كمواطنين ،وخرجوا من إطار الكنيسة ،وأصبح لهم مواقف وأصبحت حقوق المواطنة نصب أعينهم ،وأعتقد أنهم لن يتراجعوا عن ذلك بعد الآن . الإسلاميون هل يتقدمون ؟

-هل ترين أن آداء الإسلاميين يتطور بعد إنخراطهم فى الحياة السياسية بعد الثورة ؟

= أعتقد أن كل الأمور مرهونة بوعى الشعب ،واعتقد أن آداء الإسلاميين فى البرلمان هو شديد الرداءة ومخزى ،ولايعبر عن مصالح الشعب ،ولم ينجز أى إنجاز لصالح الناس ،وأبرز حقيقة الإسلام السياسى ورغبته المستميتة فى الحصول على السلطة ،وفضيحة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور ستظل وصمة عار للإسلام السياسى .

-وماذا عن تفاعلات المشهد السياسى حاليا على ضوء الإنتخابات الرئاسية ؟

=المشهد السياسى رغم كل شىء هو مشهد إيجابى ،وأهم مافيه ليس القوى السياسية بغض النظر عن قوتها أو ضعفها ،وأهم مافى هذا المشهد هو ملايين المصريين الذين أصبحت السياسة هاجسا من هواجسهم ،وأصبحوا معنيين بالشأن العام وهم ليسوا أعداد قليلة ،وليس المهم من سيصل لكرسى الرئاسة او يخرج منه ،بل هذه الملايين التى ستتخذ موقفا من أى رئيس أو نظام لايعبر عن مصالح الشعب ،فمن خرجوا يوم 25 يناير يمكن أن يخرجوا مرة أخرى ،وهذا هو الأمر الأساسى .

-ثارت قضية النوبة مؤخرا؟

=طبعا هناك أطراف تحاول أن تستغل قضية النوبة ، والمواطنة هى القاعدة الذهبية لحل كل المشكلات العرقية والإثنية والدينية وأيضا لحل مشكلات النساء ،لأن المواطنة عندما تعطى الجميع ذات الحقوق والواجبات وفق دستور متفق عليه يعبر عن جميع درجات الطيف السياسى والإجتماعى ،يؤدى لإنفراج فى جميع المشكلات ،والنوبة هى جزء من التراب الوطنى المصرى ،والشعب النوبى جزء من الشعب المصرى ،صحيح أن له خصوصية ،لكن ذلك لاينفى أنهم مصريون قلبا وقالبا ،وكل عناصر المواطنة المصرية متوافرة فيه مثل أى مصريين آخرين ،ولكن البعض يحاول إستغلال الخصوصية النوبية إستغلالا سياسيا يثير نعرات ،قائمة على بعض الضرر الذى طال النوبيون لأسباب كثيرة منها مشكلة التهجير وضياع أراضيهم ،لكن ماحدث لهم حدث لآخرين بسبب إستبداد النظام السياسى السابق وإستغلال الناس وتهميش الطبقات الشعبية والفقيرة ،وبالتالى فإن الضرر الذى طال النوبة ليس بعيدا عن الضرر الذى طال الشعب المصرى كله بطرق مختلفة ،ولن تحل قضية النوبة إلا على أرضية المواطنة .

-البعض يتحدث عن إنشاء دولة نوبية فى مصر أو هناك مخاوف بشأن ذلك؟

= هل ستكون لمثل هذه الدولة مقومات الدولة سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا ،إنها لعبة جديدة من ألاعيب الإستعمار ،خطة تتعلق بسايكس بيكو جديدة فى المنطقة ،راينا بعضها فى العراق والسودان وليبيا ،ولننتبه جميعا فى مصر ونحكم العقل ،والنوبة هى وطن كل المصريين ،مثلما مصر كلها وطن لكل النوبيين ،الذين يعيشون فى كل أنحائها.

–وماذا عن مشكلة سيناء ؟

= علينا أن نتوقع المزيد من المشكلات ،وكلها تحل على أرضية المواطنة واحترام الخصوصيات المتعلقة بكل جماعة إثنية لها ثقافة خاصة بها ،وأتساءل لماذا لا تدرس النوبية والقبطية والفرعونية القديمة فى جامعاتنا ،بينما ندرس اللاتينية وغيرها من لغات العالم القديمة .

– ألا يشكل ذلك تهديدا للغة العربية ؟

= أعتقد أن تدريس لغاتنا القديمة مثل القبطية والنوبية والفرعونية سيعطى اللغة العربية قوة وقيمة وتميزا .

– كيف ؟

=عبر الدراسات المقارنة مثلا ،والتنوع بصفة عامة يثرى المجتمعات ،والمجتمعات المتنوعة هى المجتمعات الغنية ثقافيا وإقتصاديا وسياسيا والتى يكون لها شخصيتها الخاصة وغناها الحقيقى .

-ألا تشهد اللغة العربية تراجعا كبيرا الآن ؟

=اللغة العربية الآن فى أسوأ حالاتها فى مصر ،وبفعل فاعل ،وبنظرة سريعة إلى لافتات المرشحين للرئاسة سنجد اللغة المستخدمة فيها عامية ركيكة ،والتدهور فى اللغة العربية لا يعنى مسألة اللغة فقط ،ولكن لأن العربية هى أهم عمود من أعمدة الهوية العربية ،وبجوارنا دولة إسرائيل التى أحيت لغة ميتة هى العبرية ، تمنع إستخدام أى منتج أو تسمية أى مكان بأسماء غير عبرية ،بينما نسعى نحن لكى تكون هويتنا مستمدة من لغات مستعارة ،ونسعى لهدم اللغة العربية التى هى حافظة للهوية والتراث ولغة القرآن ،وكنت أتمنى من البرلمان الإهتمام بهذه القضية .

-هناك الآن حديث عن نهضة فى مصر ..هل يمكن أن تتحقق ؟

= مشكلة مصر الأساسية والأولى هى التعليم ،ولن تنهض مصر إلا بنهوض التعليم وببرامج تعليمية تسعى لخلق مواطن فى المقام الأول ،وليس خريج يبحث عن وظيفة ،مواطن بمعنى الكلمة ينخرط فى المجتمع ويعرف حقوقه ووأجباته ،وبدون تعليم حقيقى لا أمل فى أى نهضة .

-وماذا عن الإعلام ؟

= الإعلام فى مصر مهزلة حقيقية ،وهو بؤرة للفساد الذى عانينا منه خلال العقود الماضية ،وهو يقوم بتزييف وعى الناس باشكال متباينة وعد تبيان الحقائق ،ويمتهن المرأة طوال الوقت باشكال مختلفة عبر إعلاناته ،وقد حول الحقيقة لسلعة تباع وتشترى وتطرح فى السوق ،وهو أحد كوارث مصر ،وتحديدا الإعلام المرئى ،ومازال فلول النظام القديم يتمترسون وراء الإعلام ويبذلون جهودا جبارة لكى لايتحول إلى إعلام معبر عن مصالح الناس ولوسيلة للإرتقاء بوعيهم ، وسيظل الصراع دائرا بين هؤلاء وبين المنحازين للقيم النبيلة ،كما تم استخدام الخطاب الدينى فى تزييف وعى الناس وتغييبهم ،وقد استخدمت كل النظم السابقة الإسلام ووظفته لدعم سلطتها .

=هل عقمت مصر اليوم وأصبحت عاجزة عن الدفع بالمبدعين والموهوبين فى كل المجالات كما كان الحال فى العقود الماضية ؟

=الآن فى مصر من هم بقامة المبدعين والعظماء الراحلين ،وبدون ذكر أسماء هناك طاقات إبداعية هائلة فى مصر لم تكتشف بعد أو لم تجد من يدعمها ويعينها ،أو لم تجد المناخ المناسب والرعاية التى وجدهاالعظماء فى العصور السابقة ،والمشكلة أن هؤلاء يزاحمهم الغثاء والهراء الذى يسود حياتنا الإبداعية بعد إستبعاد المبدعين الحقيقيين عبر عقود طويلة .

-قلت أن أيا من المرشحين للرئاسة لم يضع الثقافة كاولوية فى برنامجه ؟

= الثقافة فى مصر فى أسوأ حالاتها منذ عدة عقود تم تهميشها ولايلتفت إليها ،وهناك أجيال من الذين أصبحوا فى موقع القرار لاعلاقة لهم بالثقافة من قريب أو بعيد ،ولا أظن أت أى من المرشحين للرئاسة أو فى مواقع القرار فى مصر يتوقف لقراءة رواية أو يتذوق الشعر أو يشاهد فيلما ،وهذه كارثة أنتجها التعليم المتخلف منذ عدة عقود ، ولذا من الطبيعى أن تغيب الثقافة عن برامج المرشحين للرئاسة ،والتعليم هو الذى يؤثر ،وليس الواقع السياسى أو الإقتصادى ،وهو الذى يقود الناس لثقافة حقيقية ،ترتفع بهم إلى مصاف الإنسانية الحقيقية .
Top