• Tuesday, 28 May 2024
logo

خرافة وحدة العراق

خرافة وحدة العراق
يخيل الى البعض أن العراق تكون في اجتماع أخوي بين العرب والكورد، ثم قرروا فيه تأسيس هذه الدولة، ولذلك –حسب زعمهم- لا بد أن يستمروا على هذا الاتفاق الأخوي الى أبد الدهر، وهم في الحقيقة لا يريدون نبش ملفات التاريخ ولا صفحاته المؤلمة والمؤسفة حول كيفية نشوء هذه الدولة وتأسيسها, بعد أن تحولت الخلافة العثمانية الى السلطنة سنة 1922، ثم انهارت كاملة سنة 1924، تم توزيع تركة الدولة العثمانية من قبل الإستعمار الغربي، وقد كان العراق يتكون آنذاك من ثلاث ولايات(ولاية بغداد، ولاية الموصل، ولاية البصرة) وهي جميعها تابعة لأسطنبول، قامت بريطانيا باحتلال العراق، ودمج الولايات الثلاث في إقليم واحد مركزه بغداد، وظهرت مقاومة شعبية ضد الاحتلال البريطاني عرفت بثورة العشرين، وبعد أن انتصرت الثورة العراقية، وتم تشكيل أول حكومة مؤقتة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني في سنة 1920، وتمت مبايعة الأمير فيصل بن الحسين ملكا للعراق سنة 1921، تمهيدا لتأسيس مجلس تشريعي لكتابة دستور دائم للبلد، تأسست الدولة العراقية سنة 1921، وكتب الدستور سنة 1925 في العهد الملكي، وقد سبق أن كتبت عن تاريخ تطور العراق السياسي فلا حاجة الى إطالة الصفحات حتى لا يكون مقالي حشوا.
والآن يدور في خلدنا هذا السؤال الملحاح: كيف أصبح الكورد عراقيين؟. في سنة 1924 فرض الاستعمار الغربي على الكورد خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما مر: البقاء مع تركيا أو اللحاق بالعراق، ولم نسأل ماذا تريدون؟ فلو قيل لنا ماذا تريدون، بكل تأكيد لكان الجواب: نريد دولة مستقلة ذات سيادة كبقية شعوب المنطقة التي نالت استقلالها وكونت لها دولها القومية، كما رأينا في استفتاء كوردستان سنة 2017، ولست أدري مالذي دفع أجدادنا الى هذا الخيار؟ أي البقاء مع العراق؟ وهذا الأمر متروك للمختصين للحديث عنه، وإن كنت أعرف بعض الأسباب لا أريد الحديث عنها الآن خوفا من الخروج عن أصل الموضوع.
أصبحنا عراقيين كرها وقسرا وجبرا بعد أن خيرنا بين أمرين لا نريد كليهما، ثم إن الشعوب العربية استقلت وشكلت لها دولها القومية بعد سقوط الدولة العثمانية، فلم لا يحق للكورد أن يشكلوا دولتهم القومية؟ والحقيقة أن الإستعمار الغربي (بريطانيا وفرنسا) ظلم الشعب الكوردي ظلما مجحفا، حيث قام بتقسيم كوردستان سنة 1916 الى أربعة أجزاء(تركيا ايران والعراق وسوريا) وهذا التقسيم الجائر جعل القضية الكوردية في غاية التعقيد والصعوبة، مما ترك المنطقة في حالة فوضوية ملتهبة كي لا تستقر أبدا، ويكون ذلك ذريعة لتدخلاته المستمرة في شؤون المنطقة، ولا زالت هذه التدخلات موجودة وقائمة، تغيرت وجوه الإستمعار ولكن الغاية واحدة، هكذا أصبحنا عراقيين، لا رغبة منا، بل قسرا وظلما واجحافا، وعندما يرفض الكورد العيش مع العراق ليس كراهية لمكونات الشعب العراقي وخاصة المكون العربي، ولكن لأن من حق االشعب الكوردي كبقية شعوب العالم والمنطقة أن يكون مستقلا له دولته ودستوره، لأننا أمة مستقلة لنا تاريخنا وحضارتنا وثقافتنا ولغتنا وأدياننا وتراثنا، نختلف جذريا عن شعوب المنطقة، فاختلافتنا أكثر من مشتركاتنا، ولكثرة اختلافاتنا مع شعوب المنطقة وخاصة في الدول التي نعيش فيها (تركيا وايران وسوريا والعراق)، مورس بحقنا جميع صنوف السياسيات التعسفية والعنصرية من التعريب والتطهير العرقي والأدجلة الدينية، ولكن مع ذلك قاومنا بقوة بعد أن فشل الحوار، وما أكثر الثورات الكوردية التي قدمت أنهرا من الدماء في سبيل الحرية والسلام والديمقراطية والاستقلال.
وعليه لم يكن الاتحاد بين العرب والكورد في العراق اختياريا، بل كان إجباريا، والاتحاد الاختياري يعني أنه من حق أحد الطرفين الانفصال عنه متى شاء، والاتحاد الإجباري لا يمكن أن يدوم فإما أن ينهار عن طريق حرب شرسة، وإما أن ينهار عن طريق سلام حقيقي، وقد ضربت أمثلة عديدة في مقال لي سبق نشره بعنوان(إستفتاء كوردستان) فلا أريد الحديث عن ذلك مرة أخرى، قدم الشعب الكوردي في العراق دماء زكية طاهرة في سبيل العيش الكريم والعزة والكرامة والحرية والسلام والديمقراطية، ولكن العقلية السياسية الحاكمة في العراق لم تنظر الى الكورد إلا نظرة الغرباء عن الوطن، فحاولت سحقه ومحقه فلم تقدر، ثم حاولت تعريبه وتبعيثه فلم تستطع، ثم جربت صنوفا كثيرة من السياسات الجائرة لكنها فشلت، وآخرها حاولت أدلجة(التغيير المذهبي) شعب كوردستان فازداد قوة وإصرارا وعنادا وصلابة وشوكة ومقاومة، ولو كانت هذه العقلية السياسية متحضرة واعية حكيمة لما لجأت إلى هذه الأساليب العدوانية البربرية ضد أمة عريقة في الشرق الأوسط، وهي بهذه العقلية الطغيانية دمرت البلاد، وجلبت للشعب العراقي الويلات والخراب والفساد والحروب العبثية والرزايا والمصائب والوباء والعفاء والهلاك، والذي أريد أن أصل إليه أن هذه العقلية السياسية المتطرفة سبب كرهنا للعراق وبغضنا للعيش فيه، لأنها لم تستطع أن تحبب العراق إلينا، كانت تهتم بالإنتماء القومي بدل الإهتمام بالإنتماء الوطني، وكأن شعب كوردستان قبيلة عربية، أو غرباء جاءوا من أقاصي الدنيا ليسكن في العراق، ولهذا كانت تعامل هذه العقلية السياسية مع شعب كوردستان معاملة إزدرائية دونية، وشعب عريق حضاري كشعب كوردستان سيموت جوعا وعطشا ولن يقبل الذل والهوان، ولهذا قدم أنهرا من الدماء الزكية لكي يعيش في عزة وكرامة ورفعة، ولا يزال مستمرا على هذا النضال وسيستمر الى أن يحقق استقلاله كاملا، ولعل الملحمة الأخيرة التي سطرها البيشمركة الأبطال في (بردى) بعد أحداث (16) أكتوبر أقوى على دليل على رفض هذه السياسة الجائرة بحق شعب كوردستان.
جميع الأنظمة السياسية العراقية لم تستطع أن تتعامل مع شعب كوردستان معاملة حضارية عقلانية، بل جميعها كانت تفكر كيف يمكن أن يقضى على هذا الشعب، وبقي الشعب صامدا مع قسوة المعاناة وكثرة الضحايا والشهداء وسياسة التعريب والتهجير والتقتيل والتشريد والأنفلة والأدلجة والدعشنة والمعشنة والخيانة والحروب والحصار وقطع الموازنة وهلم جرا، لم يأت أي نظام لحل المشكلة، بل جميعها جاءت لتعقيدها، وعندما كان يشعر النظام بضعفه أمام قوة الثورات الكوردية يقوم بإطلاق مبادرة لحل مشكلة شعب كوردستان، وما أكثر الأمثلة على ذلك، فتاريخ مائة عام مكتظ بمثل هذه النماذج المؤسفة، وليكن معلوما أنه لم يثبت في تاريخ العراق السياسي أن قادة الكورد رفضوا الحوار والسلام والتعايش، وحتى بعد سقوط البعث، تعاملت العقلية السياسية الجديدة المعاملة نفسها مع شعب كوردستان، ولكنها كانت ضعيفة، ولو كانت قوية كالنظام السابق لأحرقت كوردستان، لأن الأنظمة الدينية الأيدولوجية أخطر من الأنظمة السياسية، فالأولى تقتل لأنها ترى الآخرين كفارا وهم يشكلون خطرا على الدين(المذهب)، والثانية تقتل لأنها ترى الآخرين متمردين وهم يشكلون خطرا على الوطن (السلطة).
لقد أصبح شعب كوردستان على قناعة كاملة أن العيش في العراق بهذه الصورة لن يستمر، وأنه لا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي يعلن استقلاله، وكلما حصل تغيير في العراق أول ما يفكر فيه الإنسان الكوردستاني هو الخروج من هذا العراق، والعيش في كوردستان مستقلة، وقد رأينا رغبة شعب كوردستان في الإستقلال في الإستفتاء الأول غير الرسمي سنة 2005، وفي الإستفتاء الثاني الرسمي سنة 2017، وقد تبين للعراقيين جميعا وللعالم أجمع أن عيشنا في العراق ليس عن رغبة وطواعية، إنه سجن كبير نعيش فيه ننتظر خروجنا في يوم ما، إن العقلية السياسية العراقية الحاكمة هي التي حولت الوطن الى سجن لشعب كوردستان، ولو حولته الى دولة مدنية ديمقراطية متطورة لما فكر شعب كوردستان بالخروج منه، ولما اشتد حبه للإستقلال، وبعد سقوط النظام قلنا حان الوقت لنعيش بسلام وأمان وازدهار وكرامة وعزة في العراق الجديد، لأنه كان سجنا، فسارت الأمور بعد السقوط بصورة رائعة، وبدأت حياة المواطنين تتحسن، وخاصة في كوردستان، والحقيقة التي لا مرية فيها أن هذه العقلية السياسية لا مثيل لها ولا أفضل منها عندما تكون ضعيفة، ولا أشرس منها عندما تكون قوية، فكنا نتصور أننا خرجنا من السجن في النهاية، لكننا دخلنا زنزانة كبيرة لا نهاية لها، حيث تم خرق الدستور، وخرق الدستور جريمة تنهي الشراكة الوطنية، وتنهي وحدة العراق، فقد ورد في الدستور العراقي في المادة الأولى( هذا الدستور ضامن لوحدة العراق) وعندما يتم خرق الدستور من قبل من يحافظ على تطبيقه وحفظه وشرعيته فلا تبقى له قيمة، وحينئذ يمكن لأي مكون أو محافظة - وليس إقليم كوردستان فحسب- أن يستقل، لأن ما كان سببا في وحدته فقد قيمته وشرعيته بعد خرقه، وهذا الخرق ليس خرقا عاديا، وليس خرقا واحدا، بل خروقات كبيرة، تصل الى الخمسين خرقا، حيث فرغت هذه الخروقات الدستور من مضمونه، وجعلته جثة هامدة، ولهذا لسنا مستعدين أن نعيش في دولة لا تحافظ على دستورها، ولا تستطيع تطبيقه، أما المحكمة الفيدرالية فهي في سبات عميق لا تحرك ساكنا، فهي محكمة غير منتخبة، أكثر قرارتها سياسية. أما المادة الثانية التي وردت في الدستور العراقي فهي أشد وضوحا في تحديد كيفية العيش في هذا العراق، وهي التي وردت في الديباجة، حيث تقول:" نحنُ شَعْب العراقِ الذي آلى على نَفْسهِ بكلِ مُكَونِاتهِ وأطْياَفهِ أنْ يُقَررَ بحريتهِ واختيارهِ الاتحادَ بنفسهِ، وأن يَتَّعِظَ لِغَدِهِ بأمسهِ، وأن يَسُنَّ من مِنْظُومَةِ القيمِ والمُثُلِ العليا لِرسَالاتِ السَماءِ ومِنْ مسْتَجداتِ عِلْمِ وحَضَارةِ الإنْسَانِ هذا الدُسْتورَ الدائمَ. إنَّ الالتزامَ بهذا الدُسْتورِ يَحفَظُ للعراقِ اتحادَهُ الحُرَ شَعْبَاً وأرْضَاً وسَيادةً). فهذه المادة واضحة جلية أن مكونات العراق اختارت بعد سقوط النظام الاتحاد في هذا العراق عن طواعية وحرية، لأن كوردستان كانت شبه مستقلة، فلم يكن الأمر كما كان في سنة (1924) عندما كان الاتحاد قسريا، وهذا يفسح المجال لأي مكون أن يخرج من هذا الإتحاد الإختياري، ويصبح الخروج ضروريا عندما لا يتم الالتزام بما اتفقت عليه جميع مكونات العراق، والذي جمع هذه المكونات في هذا الاتحاد هو الدستور العراقي، ولهذا أضافوا في نهاية هذه المادة ضميمة أخرى ضرورية، وهي (إن الإلتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضا وسيادة)، ومعلوم للجميع أن هذا الدستور أفضل دستور كتب في تاريخ العراق، لكنه في الوقت نفسه أضعف وثيقة في البلد، يتم خرقه جهارا، ويتم تفسيره وفق رغبات سياسية معينة، ومع ذلك نتباهى بديمقراطيتنا أمام العالم المتحضر المتطور، في الدول المتطورة عندما يتم خرق الدستور تقوم القيامة، فخرق الدستور طبيعة الأنظمة الإستبدادية، فإذا كانت هناك نية لإعادة ذلك النظام الذي ناضلنا جميعا لإسقاطه، فدعنا نختصر الطريق ونودع بعضنا بعضا بسلام، فكفانا إراقة للدماء، فقد امتلأت أرض العراق جثثا ودماء.
إن العقلية السياسية التي حكمت العراق على مر التاريخ هي التي كانت تدفعنا الى التفكير في الإستقلال، والخروج من العراق، والتأكيد المستمر في خطابات ساسة العراق، والدول الإقليمية والغربية وحتى التأكيد في الدستور على وحدة العراق دليل واضح أن هذه الوحدة خرافة، ولا وجود لها، وهي بمثابة جمع بين نقيضين، وهذا يذكرني بقول الشاعر قيس بن الملوح:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

ليكن واضحا أننا عندما نناضل من أجل الإستقلال وندعو إليه لا يعني ذلك أننا نريد القطيعة الكاملة مع العراق، بل نريد أن نكون دولتين جارتين مسالمتين متعاونتين على جميع الأصعدة، فالمحبة باقية بين الشعوب والمكونات، فلا ينبغي للكراهية أن تحل محل المحبة، وإن حصل ذلك فهو من عمل الساسة المتطرفين الذين يحاولون إشعال الفتنة بين الشعوب لمآرب سياسية كما يحصل ذلك دوما قبل الإنتخابات، فكراهيتنا العيش في بلد ليس كراهية للشعب، بل للسياسة الطائشة التي يمارسها الطبقة الحاكمة، ثم إن الإستقلال حق من حقوقنا التاريخية والقومية والوطنية كباقي شعوب العالم التي حققت حلمها، فلم الاعتراض والعداء لهذا المطلب؟، فنحن وفق الحقائق التاريخية لسنا عراقيين، بل فرض علينا الإستعمار الغربي أن نصبح عراقيين، وعندما قبلنا ذلك رهبة وقسرا، لم تتعامل معنا العقلية السياسية الحاكمة معاملة العراقيين، بل عاملت معنا معاملة الغرباء، وأتذكر جيدا عندما قلت في إحدى جلسات البرلمان العراقي بصوت عال مما أحدث ضجة وصخبا واعتراضا من قبل نواب التحالف الوطني الشيعي في القاعة، قلت: عندما نريد أن نكون عراقيين تنتزعون منا عراقيتنا، وعندما نريد أن نستقل تعلنون الحرب علينا، فماذا تريدون منا أن نكون؟.
هذه الوحدة وصفتها بأنها خرافة، لأن وحدة الشعب قبل وحدة البلد، فينبغي أن يتوحد الشعب أولا حتى يتحد البلد، فالدول التي لا تخشى التقسيم شعوبها موحدة، بينما الدول الوحيدة التي تخشى التقسيم هي تلك التي جمعت بين شعوب مختلفة بمنطق القوة لا بقوة المنطق، جميع الذين حكموا العراق كانوا يركزون على وحدة البلد، ولم يركزا على وحدة الشعب، ولست أعني بوحدة الشعب القضاء على الاختلافات الثقافية والحضارية والتاريخية والجغرافية، بل أعني بذلك وحدة الشعب من حيث العدالة والمساواة في توزيع الثروات وصناعة القرارات واتخاذها، والمشاركة الحقيقية في العملية السياسية، بحيث لا يشعر أي مكون من مكونات هذا البلد أنه غريب فيه، وأنه لا ينتمي الى هذا البلد، ولو تصفحنا تاريخ العراق السياسي الدموي لو وجدنا مدى بشاعة الأنظمة العراقية الحاكمة تجاه مكونات العراق الأصيلة، ولعل قصة الفيليين الكورد شاهد على ما نحن بصدده، وما أكثر الأمثلة على ذلك، فالدول المتطورة تركز على شعوبها فتحقق لها طموحاتها ومطالبها وحقوقها وامتيازاتها من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية، وعندما يتحقق للمواطن ما يريده لا يفكر بالخروج من هذا البلد، بل سيقوى إنتماءه ويزداد حبه له، وهو مستعد للذود عن وطنه بالروح والدم، بينما في العراق لا يحقق لي شيء من ذلك، ثم يجبر على البقاء في هذا السجن، هل رأينا أمريكيا أو أوربيا طلب اللجوء في العراق، نحن من يطلب اللجوء في تلك البلاد، ليس لأن العراق بلد فقير يعاني، بل لأن الطبقة الحاكمة فاسدة تعاند، ففساد الطبقة الحاكمة سبب فقرنا وتخلفنا وتقهقهرنا وتضعضعنا، وسنبقى في هذا الحضيض ما دامت تلك العقلية السياسية تحكمنا، وليس هذا فحسب بل إن هذه العقلية لن تكون سببا في تقسيم العراق الى ثلاث دول(كوردستان، سنستان، وشيعستان) كما يتصوره البعض ويردده الكثيرون، بل ستسبب بتقسيمه الى دويلات كثيرة حسب القوميات والأديان والمذاهب والطوائف، ونجد هذا التقسيم من الناحية العملية، ففي بغداد العاصمة التي يبلغ تعداد سكانها ما يقارب سبعة ملايين نسمة، هي عاصمة مقسمة بين المليشيات المسلحة، كل منطقة يسيطر عليها جماعة مسلحة معينة، لها شعارها ودستورها وأعلامها وقائدها، والسيد حيدر العبادي لا يملك أي سيطرة عليها، ومع ذلك صدع الأخير رؤوسنا في تصريحاته وبياناته في التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة، حتى حصرت المليشيات الدولة في يدها.
لا أعتقد أنه قد بقي شيء اسمه وحدة العراق، قد نجد ذلك في بعض الشعارات والوثائق الرسمية والصحفية، ولكن من الناحية الميدانية والعملية انتهت هذه الوحدة، وهي خرافة لا يزال البعض يعتقد بها، والغريب المؤسف أن القوى السياسية العراقية على مر التاريخ كانت تؤكد في خطاباتها النارية على محاربة مشاريع الإستعمار الغربي، وخاصة القوى الإسلامية - الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي- التي كانت ولا زالت تصف الإستمعار الغربي بالكافر، مستعملة مصطلح السيد علي شريعتي (الإستحمار الغربي) رفضا لمشاريعه الخطيرة، أليس من المضحك والمعيب والمخجل أن تجد هذه القوى السياسية وخاصة الإسلامية تقدس مشاريع الإستمعار أكثر من الإستعمار الغربي نفسه؟ أليس تقديس وحدة العراق تقديسا لمشاريع الإستعمار؟ أليس الإستعمار الغربي هو الذي صنع هذه الوحدة، أليس الإستعمار الغربي هو الذي قسم كوردستان، فلماذ تقدسمون مشاريعه، لماذا تقدسون ما دنسه الإستمعار، وتدنسون ما يقدسه الإستمعار، مالفرق بينهما؟ وهل الإختلاف الزمني يشرعن السابق، ويلعن اللاحق، ما أسمج هذه التناقضات التي تعيش فيها هذه القوى السياسية، لماذا حلال لكم تكوين دول قومية وطائفية مع فشلها وهشاشتها؟ وحرام لنا أن نكون دولتنا الوطنية وليست القومية؟ هل هذه هي الإخوة الإسلامية، ألسنا مؤمنين أو لستم مؤمنين، وألسنا أخوة، ألم يقل الله (إنما المؤمنون أخوة) ألم يقل الرسول(ص): (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
أغلب الظن أن مرحلة ما بعد الإنتخابات العراقية الأخيرة حساسة وصعبة، فهي امتحان صعب ونهائي لجميع القوى السياسية العراقية، حيث حدثت تطورات داخلية مهمة، وكذلك طرأت تغييرات خارجية كبيرة، فهي بلا ريب ستؤثر في تشكيل المرحلة المقبلة، وفيما يخص شعب كوردستان، فمنذ مائة عام ونحن نتعامل مع هذه التقلبات السياسية العراقية، وقد جربنا جميع الأنظمة السياسية العراقية، فلم نجد نظاما صادقا يتعامل مع قضيتنا بصورة منطقية وعقلانية ومخلصة، بل كان خيار الحرب دائما في مخيلته، جميع الأنظمة بلا استثناء فشلت في حل قضية شعب كوردستان، وآخر من جربناهم وظننا أنهم سيكونون صادقين معنا هم الشيعة وخاصة الإسلاميين(حزب الدعوة)، ولكنا وجدناهم لا يختلفون عمن سبقهم، واليوم وبعد أن انتهت مهزلة الإنتخابات الأخيرة بدأ الحج الأكبر السياسي الى أربيل، فزيارة الوفود العراقية الى أربيل ليس حبا في كوردستان، بل لأنها ضعيفة بحاجة الى دعم أربيل وخاصة دعم السيد مسعود البارزاني، وعندما يشكلون الكتلة الأكبر، ويشكلون الحكومة بواسطة الكورد، يعودون الى طبيعتهم السابقة، وكأن شيئا لم يكن، وكأنهم لم يزورا كوردستان يوما في حياتهم، هذا ما فعله الجعفري والمالكي والعبادي والجبوري وغيرهم من الساسة، ولكن أعتقد أن هذه المرة سيختلف الأمر كليا، ولن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وذلك لسبب بسيط أن الإستفتاء باق وقد أجريناه لأسباب منطقية، أعظمها هضم حقوق شعب كوردستان، فأي حكومة تتشكل لا يمكننا دعمها والمشاركة فيها إن لم تحقق مطالب شعب كوردستان الدستورية، وهي مطالب معروفة كتطبيق المادة(140) والموازنة والبيشمركة والرواتب، ثم بعد الموافقة على هذه المطالب، يأتي الحديث عن المناصب في الدولة العراقية، فالسيد مسعود البارزاني لا يكترث بالمناصب، ولا يهمه من سيكون رئيس وزراء العراق، ورئيس البرلمان، ورئيس الجمهورية، يهمه شعبه، والبعض يتصور أن البارزاني يبحث عن المناصب، ونشروا في الآونة الأخيرة وثيقة مزورة، مفادها أن البارزاني وافق أن يصبح رئيس جمهورية العراق، مع أن جميع ساسة العراق بعد سقوط النظام كانوا يتمنون ذلك، لكن سيادته رفض آنذاك، ولا يزال يرفض أي منصب في الدولة العراقية لنفسه، وعندما وافق على رئاسة الإقليم وافق عليها لمصلحة الشعب لعله يحقق حلم شعبه التاريخي في هذه المرحلة المتقلبة، وكم استشاط غضبه عندما مددت له ولايته، وبعد أن انتهت المدة، رفض تمديدها، وانضم الى جبهات القتال مع البيشمركة، فهو دوما يفضل البقاء مع البيشمركة، فهي أفضل لحظاته، وكيف لا وقد قضى حياته كلها في هذا المجال منذ نعومة أظافره.
هذه هي الفرصة الأخيرة مع بغداد فإما أن نكون في عراق فدرالي ديمقراطي حقيقي، وإما أن نعيش في كوردستان مستقلة، فقد عانى شعب كوردستان كثيرا جراء هذه السياسات الطائشة، وفشل الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، فإذا أردنا أن نحافظ على وحدة البلد، فلا بد أن يتعامل مع كوردستان معاملة خاصة، كإقليم له حقوقه وامتيازاته، لا أن يتعاملوا معاملة المحافظات، والمؤسف أن بعض متطرفي ساسة الشيعة بدأوا باستعمال إقليم شمال العراق بدلا من إقليم كوردستان بعد أن أجرينا عملية الإستفتاء التاريخي، وحتى في مجلس النواب العراقي القادم، ينبغي التعامل مع نواب كوردستان كأمة، لا وفق عدد المقاعد، فالتعامل مع المقاعد دعوة ضمنية الى الأغلبية السياسية، كما طبق هذا المبدأ في دورتنا (الدورة الثالثة)، مما سبب مشاكل كبيرة في البرلمان، وتمزقا بين الكتل النيابية، نحن الآن في مرحلة الفرز اليدوي وبعد المصادقة على نتائج الإنتخابات سيتم الحوار حول تشكيل الكتلة الأكبر، ونحن الى الآن لم نقرر مع من سنكون، ومن سنرشح ليكون رئيسا للحكومة القادمة، لا يهمنا من سيحكم العراق، يهمنا من سيلبي مطالب شعب كوردستان، ففلسفة الحزب الديمقراطي الكوردستاني تختلف عن فلسفة بقية الأحزاب الكوردستانية، حيث هي قائمة على الأطر الوطنية في تحقيق مطالب شعب كوردستان، ولكن دعني لا أخفي سرا أننا فقدنا الثقة بساسة العراق، فقد ساعدناهم في المأوى، وفي المعارضة، وفي إسقاط النظام، وفي كتابة الدستور وفي تشكيل الحكومات، وحل المشكلات والخلافات، وعندما يكونون في السلطة ينسون ذلك فجأة، وكأن شيئا لم يكن، ودعني أذكر العبادي على سبيل المثال، فقد ساعدناه في ترشيحه، وفي تشكيل حكومته، وفي تحرير الموصل، وفي الدفاع عن كركوك، وفي تأييده ضد من كان يريد سحب الثقة منه، ولكن في النهاية بعد أن حقق مبتغاه، أصبح ألد أعداء شعب كوردستان، ولأول مرة أريقت دماء في عهده، وهذه هي الكارثة، فخلافتنا مع المالكي رغم شدتها لكنها لم تصل الى مرحلة سفك الدماء، والأيام القادمة ستكشف لنا ما في مكنون الحوارات الجارية، وماذا ستكون النتيجة.
Top