• Monday, 04 March 2024
logo

ريفراندوم: رسالة الامة التي لا تركع ومنعطف تاريّخي في زمن الغدر..!

ريفراندوم:  رسالة الامة التي لا تركع ومنعطف تاريّخي في زمن الغدر..!
أحدنا يحتار أمام هذه المناسبة والتي تشكل منعطف تاريخيّ في حياة ناسنا، ولعل السبب يعود إلى انها ليست مناسبة عاديّة، هي المناسبة الكُرديّة التي هزت كيان شرق الاوسط، والعالم. ووضع الكل أمام مسؤلياتها التاريخيّة والاخلاقيّة. وعرّت الكل، دولاً، ومجتمعاتاً وأحزاباً ومؤسسات مدنيّة وأصحاب المصالح، وحتى الشركات التجاريّة: عالم المال والاعمال؛ وأفرغت كل حيّز من هذه الحيزات محتواها. الدول أفرغت من معناها ومن تعهداتها والتزماتها أمام المواثيق والعهود الدوليّة. مجتمعات أفرغت من محتواها لان المجتمع الحيّ هو المجتمع الذي لا يتأخر في التضامن مع المجتمع الاخر ان وقع الاخير في التهلكة..وهكذا..
ريفراندوم، هي مناسبة التي أحيّت أمل الامة، وهي مناسبة التي أرست:
الأولى: قوة الرئيس، وشغفه، وتبيّن ان الرئيس ليس رجل الوظيفة في الدولة، بقدر من انه صانع الدولة وبوصلة الامة بكاملها نحو الحريّة، وانّ له مصلحة واحدة في الحياة، ليست هناك مصالح الاخرى، غير كيف أن يحقق حقوق لناسه ولأمته وينقله من الهامش إلى المتن، أي من التطاول عليه إلى شعب حرّ، يقود نفسه، ويعزز التعايش مع الاخرين ضمن شرطي التكافئ والشراكة.
الثانيّة: تصميم الكرد على تحقيق حريتهم، واستقلالهم، بأسس حضاريّة ديمقراطيّة، سلميّة، والوقوف إلى جانب الرئيس في مسعاه نحو تصحيح مسار التاريخ واحقاق العدالة مع نفسه ومع الآخريين.
الثالثة: غدر الدول الصديقة وغير الصديقة، وانّ الدول لا تحترم حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، بقدر من انها تخاذل، وتتواطئ، وتغض النظر عن الظلم، وسرعان ما تصبح دولة أخرى غير ما أحدنا يعرفها، حتى وان الدول لا تملك الاخلاف انما تتعامل مع المصلحة؛ بيد ان مصلحتها كبرى تمركزت مع الكرد خصوصا في الحقبة الداعشيّة التي عشناها، بينما البعض دعمه، أي داعش، وعزز دوره من خلال تأمين مصادر الضخ، وفتح الأفاق أمام اتساع دائرة حاضنته؛ ألا تتوازى المصلحة في ضرب مكامن التطرف والارهاب مع النفوذ والتجارة والعلاقات؟ في لحظة انّ الكل يدرك بأن يغدرون بشعب لم يتعود على"الركوع"!
"لن نركع"، سمعت هذين كلمتين، في خطابات الرئيس، وآخر مرة سمعتها في خطاب الرئيس بمناسبة مرور ٧٢ عاماً على ميلاد البارتي، والكلمتين تلك لم تأتيا لضرورات البلاغة الخطابيّة، مثلما يُقال في الشعر" لضرورة شعريّة" انّما، صرخة، ورسالة. صرخة في وجه الجانب المظلم من الظلم، وفي وجه من يحاول جاهداً أن يكبح إرادة الكرد الذين وما أن تلمّ عليهم العدوان حتى يقومون القائمة، وانْ كانوا (نقصد هنا المتربصين) يصرف الاموال والامكنيات وضياع الوقت وحرق التاريخ لكي يبقى الكُرد مقيديّن بسلاسل الخنوع، ورسالة لأنّ الرئيس ضخ في روح السعي نحو الحريّة تصميم على الارادة الحرة والتي ما لبثت وتكون شغف الامة بكاملها ، وذلك من خلال المضي قدماً في عمليّة بناء وطن طالما الكردستانيون وبقيادة البارزاني وحاضنته الواسعة سعوا اليها، وطالما أعتبروه هدف السامي، وحياة حرة مصان كرامة لكل أبناء هذه الجغرافيّة العنيدة التي ولدت قامات لا تقبل الخنوع، ولا تستسلم للتاريخ مهما كان ظالماً. كلمتين تلك عند التمعن بها تصل إلى نتيجة هي انّ الكُرد سائرون نحو "الاستقلال" الذي لطالما قال الناس غالبيتهم بـ"نعم الاستقلال"!
تصحيح المسار..
في العموم، ان الاستفتاء لم يأت ليلبي قرار لأجل لحظة سياسيّة، أو تكتيك سياسيّ مرحليّ، وان أتى رداً على التهرب من الشراكة من قبل الحكام العراقيين، الا انه امتداد طبيعي لحراك كرديّ يستمد قوته من ارادة شعب ما زال يئن من وطأة سقوط ميديا، وفي صميمه أي صميم الاستفتاء هو رداً على اشكاليّة العقل السياسي الكردي مع نفسه مرةً، ومع العقل السياسيّ العام مرة أخرى، و بهذا المعنى ان الاستفتاء لا يمكن النظر اليه كتوظيف سياسيّ أو استمثار للحظة كما ظن البعض بقدر من الاستفتاء يصحح مسار تاريخي يمتد جذوره منذ سقوط امبراطوريّة ميديا، وما ادراك ما هي امبراطوريّة ميديا، فاثينا بنيت بنيانها على ركام تلك الامبراطوريّة. فالاستفتاء تجلى من منحيين: منحى عقلي-معرفيّ، ومنحى سياسي- اقتصادي، في منحى العقلي-المعرفيّ أسس ثقافة الاستفتاء، وان قضايا ليست دائما تحل من طريق السلاح بقدر من انّ الديمقراطية يمكن ان تضعنا على سكة الحل. سياسي-اقتصادي هو ان الاستفتاء وكونه رد على المنظومة سياسيّة فانه تم استثماره في التاريخ السياسي أو حتى تشكل اضافة مهمة في العلاقات الدوليّة، ونحن شاهدنا كم من بحث صدر عن الاستفتاء، وايضا دراسات ومن اعتق مراكز التحليل والدراسات العالميّة، فضلاً استعادة نظر الكل الى مركزية القضيّة الكرديّة واهمية حلها حيناً، ووضع العراقيين ككتل سياسيّة ومنظومات مجتمعيّة على محك الحل، وتاليا تمهيد لبلورة فكرة انّ الدول ذات التنوع لا يمكن ان تصير الامور فيها بلا التوافق أو التكافئ، وهذا لبّ المداولات اليوم
هو بالمجمل أفق تؤشر لمشروعيّة الحق الكرديّ وحقه في تقرير المصير.
نحو الاستقلال..
في أي عمليّة سياسيّة لها وجهان، وجه يمكن رؤيته من خلال استجابة لواقع معيّن، وجه له بعد أعمق، أي تلامس الحس الشعبي، وهذا الحس الشعبي لا يقرأ موازين القوى كما في الوجه الأول، ولا يعرف الظروف الذاتيّة والموضوعيّة، وهو الوجه الباطنيّ، وهذا الوجه يمكن رؤيته من خلال تطلعات الناس، وبعيداً عن مقول "لا يموت الحق ورائه مطالب" فانّ منطق علم النفس يفيد بأن الاحاسيس أو ما تراود الكيان لا تموت باليسر والسهولة؛ ويمكن اسقاط هذا على ما يحمله ناسنا من التطلع نحو تحقيق الحريّة، لأن الامم دواخلها كما دواخل كيان أو شخص، فالامة التي تلد أجيالاً لها قابليّة التضحيّة لأجل الهدف العام للأمة لا يمكن تقييدها، ولا يمكن الانفكاك منها لمسعاها نحو الحريّة.
ولا نستغرب، وان ريفراندوم، كانت استحقاق المرحلة الكرديّة، لأنّ ما يسمى بالشريك لم يعترف أو يلتزم الاستحقاق الدستوريّ وأيضا العهود والاتفاقات سواء في مرحلة العمليّة السياسيّة أي بعد سقوط نظام صدام حسين، أو قبل ذلك في مؤتمري لندن وصلاح الدين، كان هناك التزام أخلاقي قبل الدستوري ومقررات المؤتمرات تجاه حل قضيّة كردستان، ولا سيما قضيّة مناطق التي تسمى ب"المتنازع عليها"؛ الا انّ شركاء التاريخ النضالي عدا انهم لم يحلو قضايا كُردستان انما انقلبوا على كل شيء، وبدا للكل وخاصة بعد ١٦ أوكتوبر انّ الشركاء كادوا أن يآمروا وهم تآمروا مع المتربصين بقضايا الكرد بالعموم!
أضف، ماذا يقول المتتبع وهو رأى بأن شركاء الحكم، والدستور والمستقبل تجالس مع ايرانيين والاتراك لقتل أو الانقلاب على الكرد، وهم انقلبوا على كل شيء. الوعيّ الجمعي للكرد شاهد، واستحوذ على كل ما جرى، حتى وان كان النضج السياسيّ الكرديّ شعر بالمؤامرة وتعامل معها بالحكمة وبالتروي وانقاذ ما يمكن انقاذه في لحظة العاصفة، وهم نجحوا بذلك، وأعادوا المياه إلى مجاريها، ولعل هذا النضج سجله التاريخ، كما فعل البارزاني الخالد أبان اتفاقيّة الجزائر ونحن رأينا كيف انتعشت الحركة البارزانيّة وكيف تم انقاذ شعب بالكامل من التآمر الدوليّ والاقليميّ؛ فالخطوة التي وضعت بنياها الراحل البارزاني للخروج من المؤامرة بخسارة أقل تحولت لتكون أرض صلبة لعمارة التي وضعها الرئيس البارزاني في ٢٥ أيلول، وهذا ما يسحبنا إلى نتيجة مفادها انّ الدخول في التاريخ متدرجاً تكسب التاريخ وتكسب الامة.
في الحقيقة هناك نقطتان يمكن أن تكون عوامل متينة لتحقيق مراد الامة والرئيس:
-الاول تآمروا الشركاء مع اللدول سواء اقليميّة أو دوليّة، وهذه النقطة وان تأثر مسيرة الاستفتاء وتأجل استحقاقها إلا انها نقطعة الضعف قاتلة لقوى العراقيّة السياسيّة والعسكريّة، الامر الذي سيكون وبالاً عليهم ويضعهم في محك حقيقي، وان تجاوز الطبقة السياسية أو قفزوا عنها الا انّ التاريخ سجل تآمرهم وسجل نقطة مضيئة في تاريخ الكرد لانهم لم يفعلوا مثلما فعل "شركائهم" المفترضين ؛ فاذا كان الاستفاء جرى بسبب تماطل في تنفيذ ما اتفق حوله أو بسبب الرواتب، والهروب من الاستحقاق الدستوري، بالتالي حق الرئيس أن يعود إلي ناسه والاخذ بهم ويعبر عن ارداتهم لرسم مستقبل الامة؛ فانّ النقطة الاهم هو ما بعد عمليّة الاستفتاء، وهي شنّ حرب على شعب فقط لانهم عبروا عن تطالعاتهم باسلوب ديمقراطي ، أي عبر الصناديق؛ والأنكى من ذلك هو اتفاق مع ايران وتركيا وغض نظر أو حتى بدعم من قبل بعض الجهات الدوليّة؛ أهناك موامر{ أفظع وأخطر من هذه المؤامرة؟!
-الثانيّة، هو صيرورة المشهد الكُردي، بمعنى ان تاريخ الكرد بنفسه يشهد على انّ ما يتراءى للكل اخفاق، فما لبث وأن يؤسس الكرد على ركام ذاك الاخفاق محطة مهمة في حياتهم أو نصر مبين، والعقل السياسيّ الكرديّ، متمثلاً بالبارزاني، اليوم يؤسس عليها ويُمَهد لمستقبل مشرق، تماما مثل منطق ديالكتيكي "قانون نفي نفي" او لنقل بلغة الشاعر "حبوب سنبلة تجف تملئ الوادي سنابل"؛ ففي مؤامرة ١٩٧٥ اي اتفاقيّة الجزائر على البارزانيين أسس البارتي حاضنة ومكانة أكبرة من أي وقت مضى، وهو الامر جليّ وواضح، يتراءي لنا ولغيرنا مدى قوة البارزانيين ومقدرتهم على التغيير، ولعل الانتخابات البرلمانيّة العراقيّة تشهد مكانة البارتي ضمن المعادلة العراقيّة، هو الحزب الاول فاز على مستوى كل العراق، تماما مثلما أسس الكرد على غدر صدام حسين بهم، وعمل التفاف على اتفاقية الحكم الذاتي، واقعاً فدراليّاً مدوناً في الدستور، فان الرئيس اليوم في طريقه إلى كردستان كدولة لكل مواطنييها دون تمييز.
بقي القول، ان استفتاء، كان رسالة بالغة الاهميّة ليس للعراقيين أو دول فحسب، انما للشارع الكردي الذي لم ينم كما يناموا الشعوب الذي نعيش معها منذ أن سقطت امبراطرية الميدية، مفادها انّ حتميّة التاريخ تفيد بأن الذي انتزع الفيدراليّة من رحمة منظومة ما زالت تجد في الاستبداد والديكاتوريّة قوة لها، فينتزع كردستان مهما يكن حجم المؤامرات! تحيّة للرئيس في مرور عام على إحياء أمل الامة.
Top