• Monday, 24 June 2024
logo

الإسلام السياسي في نيجيريا

الإسلام السياسي في نيجيريا
تعد نيجيريا من أغنى الدول الأفريقية وأكبرها من حيث عدد السكان الذي يربو على (190) مليون نسمة، فهي من الدول التي تنتج النفط، ومع ذلك يعيش الشعب في فقر مدقع وبطالة قاتلة وإرهاب خطير وفساد مستشر في بنية الدولة، تتكون نيجيريا من مائتين وخمسين قبيلة، لكن أكبر القبائل هي قبيلتي (الهوسا) في شمال البلاد وأغلبهم مسلمون، وقبيلة(الإيبو) في الجنوب وهم مسيحيون، ويشكل المسلمون 60% بالمائة من عدد سكان نيجيريا، ولكن يبدو أن هناك توافقا بين الشمال والجنوب في تداول السلطة بطرق سلمية بين الشمال والجنوب، قبل استقلال نيجيريا سنة 1960 كان الاستعمار البريطاني الحاكم المطلق فيها، ومنذ الاستقلال وحتى قيام الجمهورية الرابعة سنة 1999 لم يستقر البلد بسبب الانقلابات العسكرية، حيث وقعت ستة انقلابات عسكرية، مما سبب دمارا وفوضى وتخلفا وتهجيرا وقتلا وجوعا وفقرا وبطالة مع كونها دولة غنية وثرية بالثروات الطبيعية، يبدو أن لعنة النفط قد لحقتهم كما لحقت بأهل العراق، وأينما وجد النفط وجد الاستعمار، فقد عاش البلد لمدة ثمان وعشرين سنة(28) تحت الحكم العسكري، قامت أول جمهورية نيجيرية سنة (1960) واستمرت حتى سنة(1966) برئاسة بنجامين نمادي أزيكيوي الذي حكم ما بين عامي(1963-1966)، ثم قام العسكر بالسيطرة على الحكم ما بين عامي(1966-1979)، وبعد سنة من حكم العسكر أي في سنة 1967 قامت حرب أهلية بين الشمال والجنوب والتي استمرت ثلاث سنوات أي الى سنة 1970، حيث قام الجنوبيون( وهم مسيحيون) بالدعوة الى الانفصال عن الدولة الفيدرالية، وأعلنوا جمهورية (بيافرا) Republic of Biafra لكن الحكومة الفيدرالية قضت على مطامعهم الإنفصالية، وقد سببت الحرب قتل أكثر من مليون شخص، ثم قامت الجمهورية الثانية ما بين عامي(1979-1983) إلا أن الجنرال والرئيس الحالي محمد بخاري قما بانقلاب عسكري سنة (1983) واستمر حتى عام (1985) ثم قام الجنرال ابراهيم بابانجيدا بانقلاب عسكري ضد محمد بخاري، وفي سنة 1993 قرر إجراء انتخابات رئاسية لتحويل الحكم العسكري الى الحكم المدني، لكن العلمية فشلت، فقام وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش النيجيري الجنرال ساني أباتشا سنة 1993 بانقلاب عسكري، ووعد بإجراء انتخابات نزيهة ديمقراطية، لكنه لم يف بوعده، فتوفي سنة 1998، وخلفه الجنرال عبد السلام أبو بكر، ووفى بوعده وأجريت الانتخابات بصورة نزيهة وديمقراطية سنة 1999، وهي بحسب المراقبين الدوليين تعد من الإنتخابات النزيهة في تاريخ نيجيريا، وعلى أساسها قامت الجمهورية الرابعة لتنتقل السلطة الى حكم مدني، وفاز في الانتخابات الجنرال المسيحي المتقاعد (أوليسجيون أوباسانجو)، ثم فاز بولاية ثانية سنة 2003، بينما في انتخابات سنة 2007 فاز عمر بارادوا، وفي انتخابات سنة 2010 فاز غودلاك جوناثان، وفي انتخابات 2015 فاز محمد بخاري، ولا يزال يحكم نيجيريا.
ذكرت هذه المقدمة الوجيزة من التاريخ السياسي لنيجريا، حتى نتمكن من فهم الإسلام السياسي ومراحل تطوره وخاصة جماعة بوكوحرام، عندما يظهر الفساد الإداري والسياسي يعم الفقر والجوع والبطالة والعنف والرذيلة، والجماعات الدينية المتطرفة تنتعش في مثل هذه البيئات، فجماعة بوكو حرام ظهرت في هذه البيئة، وهي جماعة دينية إسلامية متطرفة، وهذه التسمية أطلق عليها الإعلاميون، لأن كلمة بوكو حرام Boko Haram تعني حرفيا بلغة قبيلة الهوسا (الثقافة الغربية محرمة) واسمها الحقيقي (جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد) تنتمي هذه الجماعة الى ولاية بورنو النيجيرية في شمال البلاد حيث الأغلبية المسلمة، وهي كانت تقع في قلب ما يعرف بامبراطورية (كانم بورنو)، كانت هذه الولاية تعتنق أفكار المهدوية، وكانت تهدد مصالح الاستعمار البريطاني، لذلك قامت بريطانيا بدعم الخلافة الإسلامية في ولاية (سوكوتو) والتي أسسها عثمان فودي ما بين (1804 - 1903) لسحب الشرعية من ولاية برونو، كان ذلك سنة 1809، وتم طرد قادة ولاية بورنو، وكان أغلبهم من الشباب، مما ترك في نفوسهم سخطا وغضبا، حيث تعرضوا للتهميش والإقصاء، استمد هؤلاء الشباب أفكارهم الجهادية من نضال قادة الجهاد عبر التاريخ، ومن أبرز هؤلاء القادة: مايا دياكو(ت1867) في سنغامبيا، والحاج عمر سعيد طعل(ت1864) في مالي، وعثمان فودي(1817) في نيجيريا والنيجير والكاميرون، هؤلاء القادة كان مصدر إلهام جماعة بوكو حرام للإنطلاق نحو فكرة الجهاد لإقامة الدولة الإسلامية في نيجيريا.
محمد يوسف مؤسس جماعة بوكو حرام
في الثمانينات كان محمد يوسف عضوا في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين بزعامة ابراهيم الزكزكي، لكن عندما اكتشف محمد يوسف أن الزكزكي متأثر بالثورة الإيرانية وله ميول شيعية إيرانية انفصل عنه، وكذلك انشقت عن جماعة الزكزكي جماعة أخرى عرفت بجماعة التجديد الإسلامي، في سنة 1994 اقترب محمد يوسف من جماعة أبي بكر جومي زعيم جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة والتي أسسها سنة 1992، وقد كان أبو بكر كبير قضاة شمال نيجيريا في السبعينيات، إلا أن محمد يوسف لم يبق معه، لأن ميوله الفكرية المتشددة لا تناسب الجماعات التربوية الإصلاحية السلمية الهادئة، فالقاضي أبو بكر جومي كان معتدلا يمشي على طريقة عثمان فودي مؤسس خلافة (سوكوتو) التي كان شباب ولاية برونو لا يعترفون بها لأنها كانت عميلة الاستعمار البريطاني كما كانوا يعتقدون، ومع مجيء الجنرال ساني أباتشا سنة 1993 بانقلاب عسكري، قام بإضعاف خلافة سوكوتو واعتقل السلطان، وعين خليفة مواليا له، ومع وصول الجنرال المسيحي المتقاعد (أوليسجيون أوباسانجو) للحكم سنة 1999، انتقلت القوة السياسية الى الجنوب أي الى المسيحيين، مع أن المسلمين في الشمال هم الأغلبية، هذه السلوكيات والمواقف شجعت شباب الشمال أكثر الى رفض الحكومة، ولهذا تمكنوا من السيطرة على (12) ولاية في شمال البلاد سنة 2002 ونجحوا في تطبيق الشريعة، إلا أن قطيعة حدثت بين السلطة الشمالية وبين الشباب، ليتحولوا فيما بعد الى جماعة بوكو حرام بزعامة محمد يوسف، أسس محمد يوسف سنة 2002 جماعة خاصة به سماها (جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد) والتي عرفت بجماعة (بوكو حرام)، وألف رسالة باسم (هذه عقيدتنا ومنهاج دعوتنا) ونشر رسائله بين أتباعه، لكي يقوموا هم بالتبشير بأفكار الجماعة في البلاد، وكذلك ظهرت رسالة باسم (جاء الحق) باسم مستعار وهو علاء الدين البرناوي، وكانت فلسفة الجماعة تكفير الدولة النيجيرية لكونها دولة علمانية لا تطبق الشريعة الإسلامية، وقد عرفت الجماعة بطاليبان نيجيريا، وأسسوا سنة 2004 قاعدة في قرية كناما شمال ولاية يوبي باسم أفغانستان تبركا بجهاد طالبان، بدأت أول عملياته المسلحة سنة 2003 في شمال نيجيريا، أي بين المسلمين، حيث انتشرت الجماعة في خمس ولايات في الشمال الشرقي وهي(غومبي، أدماوا، برونو، يوبي، باوشي) وكذلك في ولايات الشمال الغربي وهي( كانو، جيغاوا، كاتسينا، سوكوتو، كبي) ثم انتشر تأثيرها في دول الجوار لنيجيريا، وخاصة في النيجير وتشاد والكاميرون، استمر محمد يوسف بمواصلة العنف المسلح ضد الدولة، حتى قتل سنة 2009، وقد حدثت خلافات عميقة فيمن يخلفه، فقد انشقت عنها ثلاث جماعات، جماعة يقودها نجل المقتول محمد يوسف عرفت باسم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا، وجماعة يقودها أبو مصعب البرناوي وهي تمثل داعش بقيادة أبي بكر البغدادي، ولكن حسم الأمر لأبي بكر شيكاو ليكون خليفة لمحمد يوسف، كانت جماعة بوكو حرام تكفر كل ما له صلة بالغرب، ولهذا رفضت الديمقراطية والدستور والبرلمان والتعليم المدرسي، فعندما جاء أبو بكر شيكاو قال مقولته الشهيرة:" لقد علمنا القرآن الكريم أنه يجب نبذ الديمقراطية والدستور والتعليم الغربي"، علما أن الديمقراطية وسيلة لتجنب الطغيان لا أكثر ولا أقل كما يقول الفيسلوف النمساوي كارل بوبر، ولهذا بدأ عهد العنف الطائفي والعمل السري والعنف الدموي في عهده، حيث اختطفوا (270) طالبة ثانوية من مدرسة شيبوك، وبقين عندهم في الأسر لألف يوم أي من سنة 2014 حتى سنة 2017، حدث ذلك في عهد الرئيس غودلاك جوناثان، وهؤلاء بكل تأكيد تأثروا بعلماء القاعدة وداعش، ففيما يخص التعليم والمدراس، ألف أبو محمد المقدسي الأردني وهو شيخ أبي مصعب الزرقاوي رسالة ضد هذا النوع من التعليم بعنوان (إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس)، وبعد مقتل محمد يوسف بسنة أي سنة 2010 قام خليفته أبو بكر شيكاو بمبايعة أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وقد قدم أسامة بن لادن الدعم المادي واللوجستي له، ونسق بينها وبين فروع القاعدة في الصومال(حركة الشباب المجاهدين) وفي ليبيا ومالي والمغرب العربي وغيرها من البلدان وقام بتدريب الشباب، ولهذا نشطت الجماعة وأدخلت البلد في موجة عنف دموية كانت قد توقفت بعض الشيء بعد مقتل زعميها محمد يوسف، وفي سنة 2015 بايعت الجماعة تنظيم داعش بقيادة أبي بكر البغدادي، وهي تدعم باستمرار حركة طالبان الأفغانية، ويبدو أنه كلما ظهرت حركة أشد دموية وعنفا وتطرفا قامت بوكوحرام بمبايعتها، وقد قال الرئيس النيجيري جوناثان سنة 2013 أن هناك تعاطفا شعبيا مع هذه الحركة داخل مؤسسات الدولة، فقد كشف الأمن النيجيري شبكة تجسس لبوكوحرام يقودها شاب في الرابعة عشرة من عمره في مطار العاصمة (أبوجا) الدولي، وفي سنة 2015 تمت إقالة رئيس خدمات الهجرة لأنه أعطى تأشيرة الدخول للشيخ اللبناني أحمد الأسير الحسيني المطلوب للقضاء اللبناني عندما قال بأعمال إرهابية في بيروت، وقد تم القبض عليه في مطار بيروت الدولي في السنة نفسها.
ولا يخفى أن العنف المسلح من قبل بوكوحرام ازداد قوة سنة 2009 في عهد الرئيس جوناثان لأنه كان مسيحيا، ولهذا نلاحظ العنف المسلح يقل في عهد الرئيس بخاري، أزداد تأثير هذه الجماعة في أفريقيا وخاصة في مالي، وصل تأثر شباب مالي بجماعة بوكو حرام الى درجة أن بعضهم كان يمشي حفاة رفضا للأحذية الغربية، الى غير ذلك من المظاهر الغريبة والعجيبة، ولأن هذه الجماعة داعشية أفريقية بامتياز، فقد بدأت بتصفية المخالفين حتى من المسلمين، ولهذا وصفت بوكو حرام جماعة أبي بكر جومي القاضي المسلم المعتدل بأنهم كفار لتعاونهم مع الحكومة النيجيرية العلمانية الكافرة، والأدهى من ذلك قيام الجماعة سنة 2014 بقتل الشيخ محمد أول آدم الألباني وزوجته وابنه، لأنه كان ينتقد الجماعة وأفكارها المتزمتة، وكان أبو بكر شيكاو زعيم الجماعة يتباهى بذلك قائلا: لقد حصل ذلك بأمر مني.
أهم عقائد هذه الجماعة:
1) الدعوة الى الحاكمية، وهي بدعة ابتدعها سيد قطب، وأسس دعائمها عمر عبد الرحمن المصري، وتعني ذلك تكفير الحكم الوضعي والديمقراطية والبرلمان والدستور، لأن ذلك كله مخالف للإسلام، يقول أبوبكر شيكاو": إنكم تقولون: إن السلطة هي من الناس الى الناس، ما يعني أن الناس يجب أن يحكم بعضهم بعضا، ولكن الله يقول: إن السلطة له فقط، وحكمه فقط هو الذي يطبق على هذه الأرض".
2) إقامة دولة إسلامية والبيعة للخليفة، وتطبيق الشريعة الإسلامية، فعندما أعلنوا الخلافة الإسلامية سنة 2014 قالوا:" كل من لا يبايع الخلافة يعد كافرا خارجا عن الملة الإسلامية، ولقد خاطب شيكاو قادة تشاد والنيجير المسلمين عندما دعوا الى تحالف أفريقي ضد بوكو حرام، حيث قال لهم:" أنتم تزعمون أنكم مسلمون؟ انزعوا الأقنعة عن وجوهكم، ويجب أن تعرفوا أنكم تحاربون الله".
3) تحريم التعليم الغربي بكل أصنافه، ومن هنا جاءت تسمية بوكو حرام، لأن التعليم قبل مجيء الاستعمار والمبشرين كان إسلاميا في زمن أسلافنا، فتم
تغريبه وتحديثه، وهذا يعد كفرا وزندقة.
4) وجوب الهجرة من دار الكفر الى دار الإسلام وذلك من أجل إقامة دولة إسلامية، ومن لم يهاجر يعد راضيا بالكفر.
هذه الجماعة (بوكو حرام) لا زالت تهدد الحكومة النيجيرية، وجميع رؤوساء نيجيريا مسلمين ومسيحين لم يستطيعوا القضاء عليها، وهي لا زالت تنتشر في عموم أفريقيا، وتعد قنبلة موقوتة كما قال الرئيس النيجيري الحالى محمد بخاري.
Top