• Thursday, 22 February 2024
logo

التوسل والتسول

التوسل والتسول

عصمت شاهين دوسكي

 

لم يعد خافيا هناك أسوار ومسافات وأبواب ومكاتب وغرف مغلقة بين السائل والمسؤول ربما تكون مسألة طبيعية عند بعض الناس ومسألة عقيمة عند آخرين فالإدارة والمنصب والمسؤولية والقيادة فن وعلم يدرس في المعاهد والكليات والجامعات فالمسؤول والموظف وجد لتسهيل أمر المواطن ولهذا سميت الوظيفة بالخدمة المدنية أي خدمة الناس كأداء أمام العمل المؤدي فالدولة لها الأولوية في الاهتمام بالطاقة البشرية مثلما تهتم بالطاقة النفطية والزراعية والسياحية والاقتصادية خاصة الذي يتصف بالكفاءة الفنية والإدارية والإبداعية مما يساعد على تنمي وإعلاء وتحقيق معدلات عالية في النمو الاقتصادي والاجتماعي بعد دخول قانون مجلس الخدمة العامة الاتحادي رقم 22 لسنة 2008م حيز التطبيق ليتولى شؤون الوظيفة العامة ومهمات التعيين والترقية والتدريب للموظفين كونها تستند إلى الأسس العلمية والأساليب الفنية العصرية.

وهكذا البلدان المتقدمة تزود الجهاز الإداري بأكفأ العناصر من خلال اعتمادها على ثلاث مبادئ مهمة مبدأ المساواة ومبدأ الجدارة ومبدأ الدائمية هذا التمهيد مهم ليكون فاعلا في المجتمع وبين والمواطن والمسؤول ولو نظرنا برؤية بسيطة لوجدنا إن المسؤول بلا سائل مسألة غير منطقية ولو كان المسؤول بلا سائل فما جدوى وجوده ؟ المسؤولية تبدأ من البيت من أصغر فرد إلى أكبر فرد إلى أن تكبر دائرة المسؤولية من البيت إلى دوائر متعددة ومختلفة في المجتمع ثم لتكبر شيئا فشيئا إلى أن تصل لمقامات عالية الحضور والتأثير ، يا ترى هل من حق الإنسان أن يتوسل بالمسؤول أم من حق المسؤول أن يقدم ما هو بديهي للإنسان فهو وجد لخدمة السائل " المواطن " .. ؟ لولا هذا النظام الخدمي في حديث رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ ) في توجيه وإرشاد وأمل التقدم والارتقاء والوعي والطموح لما هو أحسن وتقديم ما هو أفضل لنيل شرف الإنسانية والتقدم من خلال العطاء بعيدا عن الفساد والأنانية والمصالح الشخصية التي تغطي على المصالح العامة ولو سألنا ما معنى التوسل والتسول معنى التوسل هو الطلب مع الدعاء و الرجاء ويكون في ارفع معانيه من المخلوق إلى الخالق ومن العبد إلى المعبود ومن الناس إلى الله، حيث يدعو الطالب متوسلا به إليه أو متوسلا بأحب أسمائه وأعظم نعمه أو رسله.

والناس تتوسل إلى القادر المعروف مع تذلل. والتوسل فعل أو قول مصحوب برجاء بلا خجل من المتوسل مع حفظ كرامته وماء وجهه، مع رضا وقبول واستجابة عاجلة أو آجلة من المتوسل إليه . أما التسول فهو فعل أو قول وطلب يقع من الطالب اضطرارا قلما يجد من المطلوب منه تجاوبا، والمتسول هو ذلك الذي يضحي بكرامته وعزة نفسه ويغامر ببيع ماء وجهه بحرج. والتسول يصدر من محتاج أو مريض فيطلب ممن يقف أمامه بلا تمييز أو حسن تقدير.

فالسائل المواطن العادي البسيط له طاقة ولا يتحمل أكثر من هذه الطاقة التي يتفاعل معها ووجد نفسه في ضعفها وقوتها مثلا الأزمات السياسية يتيه في لجتها والصراعات الحزبية تسود لون حياته في عينيه والأزمات الاقتصادية تقلل من زاده ويشتد جوعه وأزمة الكهرباء تزيد مساحة ظلامه وأزمة المياه تضيق من عطشه وأزمات الغلاء والغاز والضرائب الكبيرة والبطالة والجهل واللا عدالة كلها تصب في تدمير طاقته الإنسانية وأزمات مفتعلة أو طبيعية تكسر ظهره فأما أن يسلك طريق ٱخر الجريمة المخدرات السرقة الخيانة ويكون لقمة سائغة لميليشيات الفساد أو يموت وهو حي ...وهو في الأصل يموت كل لحظة لأنه لا يتحمل كل هذا العبء الاجتماعي والضغط المعيشي الذي ينهك طاقته الوجودية وفي الحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَالَ : " اِرحَمُوا مَن في الأَرضِ يَرحَمْكُم مَن في السَّمَاء".

من هنا كان لزاما أن تستغل هذه الطاقة البشرية للأعمار وليس للانكسار لدعمه في المساهمة لبناء المجتمع والبلد لا لتخريب المجتمع وانهيار البلد من هنا لابد وجود حالة من التفاهم الأخلاقي والوعي الاجتماعي والإدراك الوظيفي بين توظيف المكان الزائل من اجل الإنسان ، الإنسان الباقي كحالة وسطية بين التوسل والتسول المكاني والزمني والاجتماعي والعدلي فكلما ضاقت أموره واشتدت الأزمات عليه انهارت طاقته ونفذ صبره فليس بين السائل والمسؤول ذل وإهانه للأول والتكبر والغرور للثاني، فلا ينبغي أن يكون خراب الدار من أهل الدار هنا المصيبة الأعظم ...أنا المسؤول وأنت المسؤول وهم مسؤولون )  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ " الصافات : 24 (" أيهما أفضل أن تسأل هنا وبشكل سليم تبرئ ذمتك وتعمل الصالح لنفسك ولبلدك وشعبك أم تسأل هناك يوم الحساب اليوم الانفرادي حيث لا منصب ولا جاه ولا حماية ولا أهل لا صديق ولا قريب ولا حبيب ..؟ يبدو سؤالا صعبا.. ولا يستسيغه البعض لعل سياق الكلام فيه ألم لكن الألم ايجابي يغرز الضمير ويوقظ غفلة النوم ولعل التأمل في مجريات الحياة تعيد ترتيب الأوراق وفتح الأبواب وتخطي عتبة الإحراج بين السائل والمسؤول وتقييد التوسل والتسول من اجل حياة أفضل للجميع .

 

 

 

 

Top