• Sunday, 14 July 2024
logo

هل سيستقر سعر صرف الدينار مقابل الدولار؟

هل سيستقر سعر صرف الدينار مقابل الدولار؟

عمر احمد

 

في الأسبوع الماضي تراجع سعر صرف الدينار مقابل الدولار بشكل مشهود، ليقترب سعر الصرف من 1650 ديناراً مقابل الدولار الواحد قبل أن يرتفع إلى 1550 ديناراً للدولار. في آخر اتفاق للبنك المركزي العراقي مع مسؤولي البنك الفدرالي الأميركي، تم الاتفاق على زيادة احتياطي عشرة مصارف خاصة عراقية من الدولار في المصرفين الأميركيين (جي بي مورغان) و(سيتي بانك) لغرض تعزيز قدرتها على التحويل بالدولار. من جهتها ولتسهيل عملية نقل الأموال عمدت المصارف الخاصة العراقية إلى استخدام احتياطيها من العملات الأجنبية الأخرى غير الدولار، كاليورو والدرهم الإماراتي واليوان الصيني والروبيه الهندية في التعاملات التجارية. الاقتصاد العراقي ذو البعد الواحد واختلال التجارة العراقية مع بعض دول الجيران وخاصة إيران وسوريا ولبنان الخاضعة لعقوبات أميركية قاسية، هي الأسباب الرئيسة التي تعيق استقرار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، وفي حال لم يبد البنك الفدرالي الأميركي المرونة ولم يسمح للبنك المركزي العراقي بتحويل عائدات النفط في حينه إلى داخل البلد، ولم يتم العثور على آلية تسهل تعاملاته مع إيران بعملة أخرى غير الدولار الأميركي، فربما لن يتمكن البنك المركزي العراقي قريباً من رفع سعر صرف الدينار مقابل الدولار إلى المستوى الذي يستهدفه.

ومن خلال تحليل لقاعدة العرض والطلب على الدولار الأميركي في العراق، يمكن توضيح سبب تراجع سعر الدينار. مصدر تأمين الدولار الأميركي وعرضه في العراق هو عائدات النفط التي تمثل 90% من الدخل المحلي العراقي، حيث يبيع العراق النفط بالدولار ويحصل على الدولار بهذه الطريقة، ووفقاً لأسعار النفط الحالية، فإن لدى العراق حالياً 300 مليون دولار يومياً من عائدات النفط، ويستطيع نظرياً استخدام هذا المبلغ لموازنة وتثبيت نسبة التبادل بين الدولار وبين العملة الوطنية. لكن من أين يأتي الطلب على الدولار في العراق؟ بخلاف الصادرات العراقية، فإن الاستيراد العراقي يشمل دائرة واسعة، إذ يتم استيراد أغلب السلع والخدمات والاحتياجات المحلية للمواطنين والتجار من خارج البلد. واستيراد السلع والخدمات الأجنبية بحاجة إلى عملة معتمدة دولياً والتي يمثلها الدولار بالدرجة الأولى عالمياً، ثم يأتي اليورو في المرتبة الثانية.

خلال الفترة التي سبقت تنفيذ الإجراءات الجديدة للبنك الفدرالي الأميركي وعمليات المراقبة المشددة التي يتبعها، كان يتم سنوياً نقل نحو عشرة مليارات دولار من عائدات النفط العراقي بالطائرات وبصورة نقدية إلى الداخل العراقي بناء على طلب البنك المركزي العراقي. كما أن الحوالات ونقل الأموال من قبل المصارف الخاصة العراقية إلى المصارف الأجنبية، فلم تكن تعاني مشاكل ولم تكن خاضعة لهذه الرقابة المشددة، لكن ومنذ تشرين الثاني 2022، أسس البنك المركزي العراقي بناء على توصية وطلب البنك الفدرالي الأميركي منصة خاصة بالحوالات الخارجية للمصارف العراقية وربط المصارف العراقية بشبكة الربط الدولية بين المصارف (سويفت). الهدف من هذه المنصة هو مراقبة حركة كل دولار ينقل من أميركا إلى الداخل العراقي ثم انتقاله لأغراض تجارية إلى دول أخرى. من خلال هذه المنصة، يتحتم على المصارف التي تريد شراء الدولار أن تكشف عن كل بياناتها، وفي أي مجال تستخدم الدولارات التي تبتاعها ومن هم الأشخاص والجهات الذين تصل الدولارات إلى أيديهم في النهاية. خلا ذلك، على المصارف التي تحول الدولارات إلى شركائها التجاريين في الخارج، أن تبرز الوثائق التي تثبت أن استيراد السلع والبضائع ضروري أولاً ويتم استيرادها بطريقة سليمة ثانياً، وتستورد من بلد غير خاضع لعقوبات مالية وتجارية أميركية.

مشكلة البنك الفدرالي الأميركي مع البنك المركزي العراقي هي أن الأول لا يريد أن تذهب الدولارات من العراق إلى دول كإيران وسوريا ولبنان. على سبيل المثال، في العام 2022، طرح البنك المركزي العراقي 43 مليار دولار في الأسواق، منها ثمانية مليارات نقداً و35 مليار دولار من خلال حوالات، لكن حسب الجمارك العراقية كانت قيمة البضائع الضرورية المستوردة في تلك السنة 14 مليار دولار، ويشك البنك الفدرالي الأميركي في أن جزءاً من هذه الفجوة الكبيرة بين الرقمين، والتي تساوي 29 مليار دولار، ذهب إلى إيران عن طريق التهريب أو التحويل لبلد ثالث.

تفعيل المنصة الإلكترونية ورفض عدد كبير من حوالات التجار والمصارف، زاد من الطلب على الدولار الأميركي في السوق الحرة أو الموازية، وأسفر هذا عن ارتفاع سعر صرف الدولار وتراجع سعر صرف الدينار. في السابق، كانت المصارف تحول المبالغ بالدولار خلال أيام قلائل إلى مصارف أجنبية وبعد إجراء التحويل، كان يتم عند الحاجة التحقق من أن الحوالات كانت قانونية أم لا. أما الآن، فعليه الانتظار ما بين أسبوعين وعشرين يوماً لتصادق المنصة الإلكترونية على الحوالة وبعدها يتم تحويل المبلغ. هذا البطء في عملية تحويل الأموال سبب مشاكل كبير للتجار، بل حتى أن الذين يتعاملون بطريقة قانونية ويقدمون الوثائق اللازمة يتم رفض حوالاتهم في كثير من الأحيان. هذا دفع التجار يعزفون عن تحويل الأموال عن طريق المصارف وبسعر الصرف الرسمي (1320 ديناراً للدولار الواحد) وتحويل الأموال عن طريق مكاتب الحوالات وبسعر الصرف المعمول به في السوق الموازي. من جانب آخر، وكما هو معلوم، تقضي إجراءات البنك المركزي العراقي المتخذة تحت ضغط البنك الفدرالي الأميركي بعدم تحويل الأموال إلى أي شركة أو مصنع أو مؤسسة إيرانية تخضع للرقابة المشددة.

العقبات التي وضعها البنك المركزي العراقي في طريق تحويل الدولار إلى إيران، لم تعترض سبيل استيراد البضائع الإيرانية، بل أن حجم الاستيراد من إيران إلى العراق زاد خلال هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، حسب مسؤولي البلاد.

ففي 2022، كان حجم الصادرات الإيرانية إلى العراق 11 مليار دولار، 4.5 مليار دولار منه هو ثمن الطاقة الكهربائية والغاز الطبيعي وقد تم إيداعه في حساب البنك المركزي الإيراني بالبنك المركزي العراقي، ويمكن تخصيصه وفق آلية توافق عليها أميركا لتأمين الدواء والغذاء من جانب هذا البلد، أما 6.5 مليار الآخر من المبلغ فهو ثمن سلع وبضائع استوردها القطاع الخاص والتجار العراقيون وتم نقل الأثمان بالدولار إلى إيران. وحسب التجار العراقيين، تم تحويل أثمان تلك البضائع بالدولار عن طريق مكاتب الصرافة أو عن طريق حوالات إلى بلد ثالث، كأن يتم التحويل بالدرهم الإماراتي أو اليوان الصيني أو أي عملة أخرى، ليحول المبلغ من هناك إلى إيران. هذا أدى إلى ارتفاع الطلب على الدولار في سوق العملة الموازي العراقي.

في أغلب السنوات الأخيرة، كان الميزان التجاري العراقي إيجابياً بفضل أسعار النفط المرتفعة، ولكون عائدات النفط غطت الإنفاق الحكومي جيداً ومن ضمنه دفع الرواتب، بل تجاوزت ذلك وكانت كافية لاستيراد السلع واحتياجات الناس التي تستورد يومياً. تشير الإحصائيات إلى أن مجموع ما استورده العراق في العام 2022 كان 78.23 مليار دولار، بينما اقترب حجم صادراته من 125 مليار دولار أغلبه من عائدات النفط.

وفي السنوات التي تراجعت بها أسعار النفط ولم تعد عائداته تكفي لتغطية الإنفاق الحكومي، عمد البنك المركزي العراقي والحكومة إلى تخفيض سعر صرف الدينار مقابل الدولار وفي بعض الأحيان إلى إصدار سندات مالية والتي هي نوع من الاقتراض، لتقليص العجز في الميزانية. على سبيل المثال، في العام 2020 عندما تراجع سعر برميل نفط برينت بسبب تفشي وباء كورونا إلى 21 دولاراً لفترة معينة، والذي كان أدنى بنسبة 40% من سعر برميل النفط سنة 2019، وتراجع النمو الاقتصادي في العراق بنسبة 11%، كانت عائدات النفط العراقي تكفي فقط لتغطية 80% من الرواتب، فقررت الحكومة العراقية خفض سعر صرف الدينار من 1182 ديناراً إلى 1450 ديناراً للدولار الواحد. بينما شجع ارتفاع سعر النفط الحكومة العراقية في شباط 2023 على رفع سعر صرف الدينار إلى 1300 دينار للدولار.

بعد 2003، يجري إيداع عائدات النفط العراقي بالدولار في حساب وزارة المالية العراقية بواحد من المصارف الأميركية. وبدلاً عن تلك الدولارات، يمول البنك المركزي العراقي وزارة المالية بالدينار العراقي وهذا يتسبب في إنتاج وطباعة الدينار، فيتوفر الدينار اللازم لوزارة المالية لتأمين النفقات الحكومية. وتجري الآن من خلال منصة إلكترونية متابعة دقيقة لدولارات النفط التي تدفعها وزارة المالية العراقية للبنك المركزي العراقي مقابل الحصول على الدينار. الخطوة الجديدة للبنك المركزي العراقي والتي تسهل وتساعد المصارف الخاصة على رفع احتياطيها من الدولار إلى مستويات تمكنها من تحويل الدولار مباشرة تحت إشراف البنك الفدرالي الأميركي، والتي بإمكانها أن تسرع من عملية توفير وعرض الدولار في الأسواق المحلية، والعلاقة الثنائية بين المصارف الخاصة العراقية وفتح حسابات مصرفية لهذه المصارف بالدرهم الإماراتي واليورو واليوان الصيني والروبيه الهندية، يمكنهما أن يقللا من الطلب المحلي على تحويل واستخدام الدولار في التعاملات التجارية الدولية. التقليل من الطلب وزيادة عرض الدولار يمكنهما أن يقربا ببطء بين سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار وبين النسبة التي يستهدفها البنك المركزي العراقي. وبخلاف هذا، فإن تدهور علاقات البنك المركزي والحكومة العراقيين مع الحكومة والخزانة الأميركيتين وتشديد العقوبات المالية على إيران بإمكانهما دفع سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار إلى المزيد من التراجع. المعلوم هو: أن البنك المركزي العراقي وكما أعلن في وقت سابق لن يجري المعاملات المحلية بالدولار ابتداء من السنة القادمة، وهذه بداية لإقصاء الدولار عن السوق المحلي العراقي وإضعاف سوق العملة الموازي في العراق. ويعد البنك المركزي العراقي سعر صرف الدولار في السوق الموازي سعراً غير حقيقي وأنه يصب في مصلحة الأشخاص الذين يعملون على تحويل الدولار إلى الخارج بطرق غير قانونية، ومصر على أنه وفر وبصورة جيدة كمية الدولار اللازمة للسوق المحلية لإجراء كل المعاملات التجارية القانونية.

 

 

 

روداو

Top