• Wednesday, 17 April 2024
logo

الغموض البنّاء و الوضوح المُفْرَغ

الغموض البنّاء و الوضوح المُفْرَغ

فاضل ميراني
مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني

يختصر كثيرون الغموض البناء بما يعني ترك الخلاف للزمن مع ترجيح تبدل مواقف الخصومة للتحسن، اما الوضوح المفرغ فلا يتعدى في افضل تعبير عنه انه: القول او العمل او كلاهما مما لا ينتج، سواء غطت الوضوح المفرغ دعاية ام لا، مثال ذلك تصريحات الاستنكار التي لا تقترن بعمل يحول دون تكرار افعال استوجبت استنكارها.
في تصوري ان الذين يريدون الركون رغبة او خوفا لفكرة الغموض البناء سيتحتم عليهم اخذ امور بالحسبان ليضعونها في هذه النظرية التي فصّل هنري كيسنجر كثيرا فيها. عليهم ان يحللوا الابعاد النفسية و الاجتماعية لصناع القرار في الخصومة، مثال ذلك ان المفاوضات التي تلت حرب اكتوبر كانت بين قوتين احداهما تريد تحييد غريمتها عن تكرار العمل العسكري، و الثانية تريد استعادة الارض و تعويض خساراتي ١٩٥٦ و ١٩٦٧، تم ذلك لاحقا بمعاهدة السلام المعروفة في كامپ ديڤيد و تركت المتعلقات الخلافية للزمن.
النزاع الحدودي بين العراق و ايران، ورغم قبول الجانبين بقرار وقف النار سنة ١٩٨٨، الا ان الغموض البناء لم يكن ليعمل عمله بين الجانبين، ذلك ان النظامين كانا لا يثقان ببعضهما و كانا كمن اضطر مجبرا للقبول بوقف المعارك، فالبعدان النفسي و الاجتماعي لصانعي قرارهما كانا على طرفي نقيض و ساد بينهما ما يحافظ على التوتر لا الاسترخاء.
الغموض البناء مثلما يستعان به خارجيا يستعان به داخليا، يستعان به حتى في الخلافات بين الافراد العاديين، على اعتبار ان الصراع يبقى اولا و اخيرا نشاطا بشريا و انسانيا و بوجوه عدة من الصمت الى الكلام وصولا السلاح.
احيانا يكون الغموض البناء خسارة و يمكن تفكيك مسماه الى غموض لا تفسير له و غير بناء بالمعنى الجيد المنتج، ففريق من الناس يسعى لتلك الفسحة الزمنية لتطوير قابليات من القوة يستخدمها لاحقا لكسب الصراع مسقطين حسابات العدل و الحق.
ما اريد قوله ان اختيار النظريات للعمل يجب ان يكون مبنيا على الملائمة في الاختيار، و الملائمة تتطلب تشخيصا دقيقا للحال و للتظرية الممكن تطبيقها عليه.
نحن في حزبنا و قبلها في شعبنا و في مكاننا في العراق لم نكن ننتقي النظريات المرفهة او لكونها السائدة لنجعلها منهج عمل، ليست كل الامور تناسب الاخضاع لنظرية، لقد فصلنا بين كل حال بحالها برنامجا من الواقع، ولم نكن ممن تكلم اكثر مما عمل، و لذا و مع الطموح بالافضل و دون الوقوع بالاعجاب بالذات فأن منجزنا في خدمة و صيانة طريق شعبنا كان افضل من كثير ركنوا للنظريات و الصراع المجلوب من التاريخ او صراع مصالح القوى المتبوعة.
للغموض البناء وقته مع من يمكن ان يتوقع منه التحسن في الفكر و الاداء و ايضا للوضوح المفرغ طريقة للتعامل مع العاملين به.

 

 

المصدر/ صحیفە الزمان

Top