• Friday, 12 April 2024
logo

المنطقة.. والعلاقة الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية

المنطقة.. والعلاقة الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية

انس شيخ مظهر

 

هناك حقيقة يحاول الكثيرون التغافل عنها وهي ان حرب غزة ليست حربا عربية اسرائيلية ، ولا حربا يهودية اسلامية ، بل هي حرب مركبة تشهدها المنطقة لاول مرة ، يتحالف فيه الفكر الاخواني مع الفكر الشيعي المليشياوي مقابل العامل الديني القومي "الاسرائيلي" ، في غياب تام للعامل القومي العربي. هذه التوليفة المركبة وضعت الحكومات العربية امام موقف لا تحسد عليه ، بين رغبة شعوبها في ضرورة الدفاع عن كل ما هو فلسطيني ، وتخوفها من تبعات انتصار هذا التحالف الاخواني الشيعي. وهنا قد يتبادر الى الذهن السؤال التالي.... اي من الطرفين يسخر احدهما الاخر في التحالف الاخواني الشيعي ، هل ان حماس هي  من تسخر إيران لصالح القضية الفلسطينية ام ان إيران تسخر حماس لمصالحها؟..

بمتابعة الاداء  السياسي لإيران نرى انها لا تسخر حماس فقط لمصالحها وانما تسخر الكثير من الفصائل المسلحة والكثير من الدول وحتى الشعوب لمصالحها في المنطقة ، فقد استطاع النظام الإيراني خلال ما يقارب النصف قرن من تسويق نفسه للشعوب المسلمة بطريقتين:-

الاولى...كونه المدافع الاول عن القضية الفلسطينية باعتبارها القضية الاولى للمسلمين ، فاكتسب تعاطفا اسلاميا كبيرا خاصة بعد انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان.

الثانية... كونه الممثل الحقيقي لشيعة العالم، فاستقطب شريحة واسعة من الشباب الشيعي شكل منهم اذرعا مسلحة له في معظم الدول التي يتواجد فيها الشيعة.

وبمتابعة السياسات الخارجية لإيران نجد انها في الوقت الذي تتمتع فيه بعلاقات جيدة مع اغلب الدول الاوروبية ولاسيوية ، تشوب علاقاتها بالدول المسلمة الكثير من التوتر... اما علاقاتها مع امريكا فعليها الكثير من علامات الاستفهام ، يذهب البعض لادراجها وفق نظرية المؤامرة في ان العلاقات المتوترة ظاهريا بينهما تخفي تحالفا استراتيجيا في الخفاء ، حيث تتطابق مواقف الدولتين في الكثير من الملفات المثارة في المنطقة ، كالملف الافغاني والملف العراقي. لكن الذي ينفي ما يذهب اليه اصحاب نظرية المؤامرة هو ان هناك الكثير من الملفات تتناقض توجهات الدولتين ازائها ، وهو ما ينفي وجود تحالف خفي بينهما ،اضافة الى ان من يعرف طبيعة الاسلام السياسي وطريقة اداءه يدرك ان هذا الفكر غير قابل للتحالف مع اي طرف خارجي ، الا ان بامكانه التخادم مع الفرقاء في مساحة المصالح المتبادلة ، فقد استطاعت إيران بالفعل تحديد مساحة مصالحها في المنطقة بما لا تتقاطع مع مساحة المصالح الامريكية ، وتوجيهها لتتطابق في النتيجة مع المصالح الامريكية فيها.

وخلال العقود الماضية من حكم النظام الإيراني وما رافقها من تطورات دولية واقليمية تولدت عند إيران ثلاثة مستويات من الطموح نستطيع ايجازها على النحو التالي:-

*/ طموح تصدير الثورة الاسلامية لدول المنطقة.. وقد بدا طموحها هذا بعد انتصار الثورة الاسلامية الإيرانية مباشرة.

*/ طموحها باعادة لعب دور(الدولة الصفوية والدولة البهلوية) مع القوى العظمى ، وهو دور شرطي المنطقة.

*/ بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية تولد عندها طموح التحول الى قوة اقليمية مؤثرة.

هذه المستويات الثلاث من الطموح لديها كانت تصطدم دائما مع وجود قوة اقليمية اخرى وهي اسرائيل والتي تتمتع بعلاقات استراتيجية مع امريكا واغلب الدول الاوروبية ، وتمتلك اضخم ترسانة عسكرية في المنطقة. فاصبح اضعاف هذه القوة سياسيا وعسكريا واقتصاديا اولوية إيرانية قصوى .... ومن هنا ينطلق سر العداء الإيراني لاسرائيل.

بمعنى اخر ان العداء الإيراني لاسرائيل ومحاولات اضعافها لا علاقة لها بالبعد الديني للموضوع كون اسرائيل تحتل ارضا مقدسة اسلاميا  ، بل هو صراع سياسي له ابعاد استراتيجية اكثر عمقا وبعدا من الجانب العقائدي. مع ذلك استطاعت إيران استغلال البعد الديني لهذا الصراع وتسخيره ليخدمها في هذا الصراع.

كل المعطيات تشير الى ان إيران لا تستهدف القضاء على اسرائيل مثلما تدعي ، وانما تهدف الى اضعافها فقط ، فوجود اسرائيل داخل المنطقة العربية يعتبر هدفا استراتيجيا لإيران لا يقل اهمية عن وجود اليمن الحوثي ولبنان حزب الله والعراق المليشياوي فكلها تهدف الى اضعاف الدول العربية المجاورة لها وبسط نفوذها عليها.... لذلك فان وجود اسرائيل في المنطقة هي حاجة ماسة لإيران شرط ان تكون اضعف منها واقوى من الدول العربية ، وهو ما يفسر حرب الاستنزاف التي تمارسها إيران ضد اسرائيل طوال العقود السابقة.  

تدرك إيران ان القوة الاسرائيلية في المنطقة سببها الحقيقي هو تحالفها الااستراتيجي مع امريكا ، وهو ما يقلل من احتماليات تحولها الى قوة اقليمية مؤثرة.... لذلك تحركت إيران ومنذ عقود على خطين : -

الاول... استنزاف اسرائيل عسكريا واقتصاديا من خلال تشكيل ما يسمى بمحور المقاومة المتمثل بحزب الله في لبنان والفصائل المسلحة في غزة ، اضيف اليهما في السنوات الاخيرة الفصائل المسلحة في العراق والحوثيين في اليمن.

الثاني..ممارسة سياسة فرق تسد بين امريكا واسرائيل ، من خلال اثارة فوضى "تخلق" ظروفا اقليمية معقدة تحول اسرائيل من حليف يضمن مصالح امريكا في المنطقة ، الى عبيء يثقل كاهل الادارات الامريكية ، ويهدد مصالحها ومصالح الغرب فيها ، ليؤدي في النهاية الى اضعاف التحالف بينهما.... وما احداث غزة الاخيرة الا دليلا على ما نقول ، حيث نشهد ولاول مرة تغيرا في المواقف الغربية والامريكية من الاداء الاسرائيلي فيه.

فقد تعمدت إيران بان يكون توقيت انطلاق عملية "طوفان الاقصى" قبل الانتخابات الامريكية ببضعة اشهر ، ليخلق ضغطا سياسيا على الادارة الامريكية تجعلها تتعامل بارتباك مع اي حرب محتملة قد تندلع جراء  تلك العملية. وهو ما نجحت فيه.. فالارتباك الامريكي ازاء حرب غزه وضغوطاتها على اسرائيل لانهاء هذه الحرب باسرع وقت واضحة لاي مراقب ، وهو ما تسبب بمشاكل حقيقية بين اسرائيل وامريكا لم نشهدها منذ نشوء اسرائيل في المنطقة.

مقابل هذا التوترفي العلاقة الاسرائيلية الامريكية نرى اداءا إيرانيا مركبا يمكن ان ملاحظته من موقفين :-

*/ موقف إيران الرسمي من حرب غزة والذي اكدته منذ ايامها الاولى بتبرئة نفسها من اي علاقة ب "طوفان الاقصى" ، ثم تاكيدها على عدم مسؤوليتها عن استهداف الفصائل المسلحة لاهداف اسرائيلية وامريكية وبان قرارات هذه الفصائل ذاتية لا علاقة لها بها. وهو ما يوحي رغبتها في الظهور بمظهر الطرف الداعي لتهدئة توترات المنطقة والمساهم في امنها واستقرارها. ولم تقف إيران عند هذا الحد ، بل حاولت الظهور بمظهر الوسيط لانهاء هذه الحرب ، في الزيارات المكوكية التي قام بها وزير خارجيتها في دول المنطقة للتباحث حول سبل وقف القتال... تحاول إيران من خلال هذه المواقف اعطاء صورة للغرب وامريكا بانه طرف يمكن التفاهم معه على اكثر الملفات تعقيدا ، مما يعزز من مكانتها الدولية وزيادة ثقة المجتمع الدولي بها.

*/ موقف اذرعها في المنطقة...ففي الوقت الذي تقدم فيها إيران نفسها كطرف منسجم مع التوجهات الدولية ، تحاول الضغط على امريكا واسرائيل من خلال ما تقوم به اذرعها من عمليات ضدهما ، سواء حزب الله او الحوثيين او الفصائل المسلحة العراقية.

رغم وضعهما في سلة حرب غزة.. الا ان اسباب استهداف اذرع إيران لاسرائيل تختلف عن اسباب استهدافها للقواعد الامريكية... فاستهدافها لاسرائيل يندرج ضمن الرغبة الإيرانية في اضعاف اسرائيل لتبقى هي القوة الاقليمية الوحيدة ، بينما يندرج استهداف القواعد الامريكية ضمن الاجندات الإيرانية لابعاد القوات الامريكية من المنطقة تحقيقا للاهداف التالية:-

1- ابعاد الخطر العسكري الامريكي عن حدودها حماية لامنها القومي.

2- اجبار الادارة الامريكية في النهاية للجلوس معها والتفاوض حول سبل تقسيم النفوذ بينهما في المنطقة.

3- ضمان تواصلها مع اذرعها في العراق وسوريا ولبنان.

4- وضع دول المنطقة التي تحتمي بوجود القواعد الامريكية تحت ضغط الابتزازات الإيرانية في حال خروج تلك القوات.

ان الرغبة الإيرانية في اخراج القوات الامريكية من العراق وسوريا يرافقها حرص إيراني على عدم اثارة امريكا ضدها ، لذلك لم تلجا الى قصف القواعد الامريكية في المنطقة بنفسها ، والمرة الوحيدة التي قصفت فيها قاعدة امريكية كانت عقب اغتيال قاسم سليماني ، وحتى هذا القصف كان بتفاهم مشترك مع امريكا حسبما صرح بذلك ترامب الذي اكد ان الإيرانيين اتصلوا بهم وابلغوهم ان ردهم على اغتيال سليماني سيكون دون ايقاع ضحايا في الجانب الامريكي...

مقابل هذا الاداء الإيراني هناك اداء امريكي مفعم ب"الرومانسية" تجاهها ، فرغم معرفة الادارة الامريكية بان إيران تقف وراء استهداف قواعدها بالمنطقة من خلال اذرعها التي تستخدم اسلحتها ولا تتحرك الا بمعلومات استخباراتية إيرانية وباوامر منها  ، الا  انها تتعامل مع النفي الإيراني لعلاقتها بتلك الهجمات بالكثير من الانفتاح والقبول والمصداقية ، لذلك لم تستهدف إيران بشكل مباشر حتى بعد مقتل ثلاثة من جنودها على الحدود السورية الاردنية... وهو ما يشير الى وجود تفاهمات متبادلة وقواعد اشتباك بينهما قد تمهد لتفاهمات اكثر مستقبلا.

ان الموقف الامريكي في هذه الحرب يعتبر لافتا بشكل كبير..فمنذ وجودها على الساحة الدولية كقوة عظمى وهي تدير"نتائج" ازمات المنطقة على مبدا " الحفاظ على التوازنات " ، وذلك بخروج الفرقاء دون انتصار واضح او هزيمة واضحة لاي طرف ، وكانت دائما تستثني اسرائيل من ذلك المبدا وتدعمها بشكل مطلق في كل حروبها مع الدول العربية. الا انها في حرب غزة تتعامل مع اسرائيل بنفس هذا المنطق ، بالحفاظ على مبدا التوازن بينها وبين خصومها الاسلاميين. يتوضح ذلك من خلال محاولاتها الحثيثة انهاء هذه الحرب باسرع وقت على مبدا لا ضرر ولا ضرار ، وخروج الفرقاء منها دون انتصار واضح ولا هزيمة واضحة لاي طرف...وهو ما يشير الى بداية في تغير المواقف الامريكية تجاهها.

ان امتناع امريكا عن توسيع الصراع الحالي في غزة وتجنبها الدخول في اي مواجهة مباشرة مع إيران في وقت تتعرض فيها حليفتها الاستراتيجية اسرائيل الى مخاطر وجودية تؤثر على مكانتها العسكرية في المنطقة ، اعطت انطباعا لدى إيران في ان امريكا ليست بصدد الدخول في مواجهة مباشرة معها على المدى المنظور.

يتمتع النظام الإيراني ببرغماتية عالية في التعامل مع امريكا حول الملفات ذات الاهتمام المشترك في المنطقة ، فهو يتخذ سقفا عاليا من الشعارات التي يتبناها داخليا لحشد شارعه خلفه ، لكنه يدرك في الوقت نفسه السقف المسموح له دوليا لتحقيق تلك الشعارات. وما مواقفه المتحدية احيانا والمتهورة احيانا اخرى الا لادراكه حقيقة ثابتة وهي ان وجوده يعتبر حاجة ملحة عند الغرب وامريكا ، في وجود نظام عقائدي له تطلعات ثورية  تشعردول المنطقة بتهديدات مستمرة وتدفعها اكثر للانصياع للحماية الامريكية والغربية وتقديم تنازلات سياسية واقتصادية لهما ، وهو ما يحصل مع الدول العربية منذ ما يقارب النصف قرن... لذلك فان النظام الإيراني يدرك ان الغرب وامريكا يدعمان وجوده وديمومته.

رغم محدودية الرقعة التي اندلعت فيها ، ومحاولة الاطراف الدولية عدم توسيعها ، فقد تكون حرب غزة من اهم الحروب التي اندلعت في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية  ، فحيثياتها وتفاصيلها ومواقف القوى الاقليمية والدولية منها كفيلة برسم خارطة سياسية جديدة في المنطقة ، ونسج شبكة تحالفات جديدة اقليمية ودولية. فاذا انتهت هذه الحرب على مبدا لا ضرر ولا ضرار ، ونجحت إيران في البقاء بعيدة عن الدخول فيها ، فسنشهد تحولا في الموقف الامريكي تجاهها بالتفاهم معها حول الكثير من الملفات المثارة ، قد يشمل ملف تقسيم النفوذ معها في الكثير من الدول في المنطقة. اما بالنسبة لاسرائيل فستضطر لتوقيع اتفاقيات سلام مع كل الدول العربية باقل الخسائر الممكنة وتحسين العلاقات معهم...وبذلك ستتشكل خارطة تحالفات سياسية جديدة في المنطقة تتكون من محورين... المحور الإيراني المتمثل بإيران وسوريا ولبنان والعراق واليمن ، والمحور الاسرائيلي العربي ، لتبقى امريكا تمارس سياسة " الحفاظ على التوازنات" في ادارة الازمات المحتملة بين  المحورين بما تناسب مع الحفاظ على مصالحها في المنطقة على المدى الطويل.

 

 

 

باسنيوز

Top