• Friday, 12 April 2024
logo

معجزة اللغة

معجزة اللغة

معد فياض

 

يطرح الفيلم الانجليزي(الاستاذ والمجنون)، “The Professor and The madman”، بطولة ميل غيبسون، بدور الاستاذ(جيمس موراي) وشون بن، بدور الضابط الاميركي المتقاعد والذي يٌعالج في مصحة نفسية (ويليام تشيستر مينور)، قصة حقيقية عن انتاج اهم قاموس للغة الانجليزية. وتدور احداث قصة الفيلم في القرن الثامن عشر حول فكرة اصدار اهم واكبر معجم (قاموس) للغة الانجليزية، قاموس أكسفورد، والصادر عن جامعة أكسفورد العريقة، والذي صار دليلا اساسيا لدراسة اللغة الانجليزية لاجيال عديدة وما يزال يُستخدم في الاكاديميات العالمية الرصينة ومن قبل طلاب اللغة الانجليزية في العالم.

حديثنا هنا ليس عن أحداث الفيلم المستمد من قصة حقيقية، كنا قد كتبنا عنه في وقت سابق في رووداو، ولكن عن اهتمام البروفيسور موراي باصدار القاموس الذي انذر وقته وحياته من اجل اصداره، وعن مساهمة مينور الكبيرة في هذا المشروع المعرفي الثمين، اذ حرص موراي على ان لا يترك اية مفردة في الانجليزية الا وضمناها في هذا القاموس حفاظا على اللغة الانجليزية التي تعد اليوم الاولى في قائمة استخدامها عالميا بين عشرة لغات في العالم، وهي، بالاضافة الى الانجليزية: الصينية، الهندية، العربية، الاسبانية، الروسية، البرتغالية، البنغالية، الفرنسية والالمانية.

تُعرف اللغة اكاديميا باعتبارها "نظام من الرموز التي تتكامل مع بعضها لتشكيل الجُمل تُستخدم كوسيلة للحوار وتبادل المعلومات بين البشر او الجماعات الذين يعيشون ضمن بيئة معينة، وقد تكون اللغة في شكل لفظي عن طريق الاصوات والحروف والرموز او تكون على شكل حركي كالايماءات والإشارات".

اليوم يحتفل العالم بيوم اللغة الام، فان هناك وبحسب دليل العام 2009 من موقع إثنولوغ، توجد في العالم أكثر من سبعة الاف لغة مختلفة. 230 من هذه اللغات موجودة في أوروبا، بينما أكثر من 2000 منها موجودة في آسيا. وفي دولة بابوا غينيا الجديدة، وهي دولة صغيرة في المحيط الهادئ، يمكن إيجاد أكثر من 830 لغة مختلفة، هذا باستثناء اللهجات المحلية المتفرخة عن هذه اللغات. هذا على الرغم من أن 6% فقط تقريباً من هذه اللغات يبلغ عدد متحدثيها أكثر من مليون. ومع انتشار العولمة ينتشر تعلم هذه اللغات. يرى أشخاص كثر من دول عديدة قيمة تعلم اللغات الأجنبية لتحسين علاقاتهم التجارية الدولية.

حتى الآن لم يُعرف تاريخ نشوء اللغات، والمعروف ان اللغة، سواء كانت مدونة ومقروئة، او صوتية او عبارة عن رسوم وإشارات فانها وجدت مع وجود البشر فوق سطح الكرة الارضية، لكن بالتأكيد وحسب الوثائق التاريخية ان التدوين بدأ في سومر التي ثبت على بواباتها في مدينة أور بجنوب العراق معلومة تقول"هنا كتبت اول الحروف في تاريخ الانسانية"، فالتدوين هو اعظم إنجاز للحفاظ على اللغات وقواعدها عبر التاريخ.

اللغة ترتبط باسلوب التفكير وتتطور مع التطور البشري، فهناك مفردات تموت او في الاقل تختفي من الاستخدام اليومي لتحل مكانها مفردات جديدة هي وليدة التطور العصري، بل ان هناك من يعتقد بان تكنولوجيا الاتصالات ووسائط التواصل الاجتماعي بين الشعوب في عموم المعمورة قد تنتج لغة عالمية جديدة من مفردات اللغات المستخدمة عالميا اليوم والرموز والارقام.

وقد حدثت ثورات او محاولات متطرفة لتجديد اللغة، مثلما فعل الشاعر الروسي فلاديمير مايكوفسكي (19 يوليو 1893-14 أبريل 1930) عندما تنبأ مع رفاقه المستقبليين وحتى الدادائيين، بلغة يستطيع حملها وقصيدة يقدر ان يزنها باعتبارها كتلة فيزيائية. لكن حتى اليوم بقيت اللغة مثلما هي تؤدي وظائفها في التعامل اليومي والابداعي، مبنية على قواعد نحوية ثابتة.

ان الامم او الشعوب المتحضرة التي تسعى للحفاظ على لغاتها تسعى لتطويرها من خلال التدريس والاستخدام لتبقى هذه اللغات حية. فاللغة الانجليزية صارت الاولى بسبب الاستخدام عالميا وانفتاحها على بقية اللغات. بالرغم من تحفظ الانجليز وانحيازهم لتراثهم التاريخي والادبي والمعماري، الا انهم لم يجدوا في ضم مفردات لغوية جديدة من بقية لغات الشعوب الاخرى اي انتقاص من لغتهم، وفي كل عام تعلن انجلترا وبفخر بانها ضمت كذا مفردة جديدة من بقية اللغات الى قاموسها. فمثلا عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية لم يجد الانجليز اي مرادف لوصفها بدقة فاطلقوا عليها بالانجليزية انتفاضة (Intifada)، والمعروف ان مفردتي( paradise) الفردوس، و( Jangle) الغابة، مفردتين فارسيتين اصلا. وهناك الكثير من مفردات اللغات الاخرى ضمها القاموس الانجليزي، كما حذت لغات اخرى، الالمانية والفرنسية وغيرها حذو اللغة الانجليزية لتبقى لغاتهم مرنة وحية وغير منغلقة على ذاتها.

على العكس من ذلك بقيت اللغة العربية متحفظة وخائفة من دخول مفردات اجنبية غريبة عليها خشية (تشويهها) بل راحت مجمعات(جمع مجمع) اللغة العربية في الدول التي تتحدث بها تعرَب المفردات الغربية للاختراعات المختلفة، فاطلقت مثلا على الساندويج(الشاطر والمشطور وما بينهما)، وعلى السينما(باعثة الاشباح)، وعلى التلفزيون(تلفاز)، وعلى الكمبيوتر(حاسوب)، وعلى الديسكو(القاعة الاهتزازية)، لكن هذه الاوصاف لم تصمد امام التسميات الغربية الاصيلة.

كل اللغات باعتقاد او بأيمان متحدثيها هي مهمة ولهم ان يفتخروا بها كونها اسلوب حياتي يجمعهم وينفتحون من خلالها على الاخرين، لكن هذا لا يعني الانحياز العنصري لهذه اللغة او تلك باعتبار ان اللغة العربية، مثلا مقدسة، وبقية اللغات غير مهمة، او ان اللغة الالمانية هي الافضل، وهكذا، فهذا من شأنه ان يُبعد هذه اللغة او تلك عن المتحدثين بسواها. علينا اليوم ان نرفع من شأن لغاتنا عن طريق الابداع والانفتاح، وقد بارك الله العراق بتنوع لغوي، العربية والكوردية وبلهجات عديدة ومختلفة، والتركمانية والسريانية والآشورية والعبرية، وهذا يٌعد مصدر قوة وغنى حضاري ثمين.

 

 

 

روداو

Top