• Friday, 21 June 2024
logo

حوار عن النكبة و الهولوكوست

حوار عن النكبة و الهولوكوست

د.  ديفيد فيليبس*

إن الحوار أمر بالغ الأهمية لنزع فتيل الأزمة في جامعة كولومبيا والعلاقات بين اليهود والفلسطينيين. وفي غياب الحوار الذي يشرك الطلاب في عملية تعمل على تحقيق أرضية مشتركة، سيهيمن المتطرفون على العلاقات مع القليل من الاهتمام أو التعاطف تجاه "الآخر". يركز الحوار التاريخي على الماضي لتعزيز التفاهم المتبادل حول ما حدث، وبالتالي تهدئة المشاعر. إنها تقنية تم اختبارها في حل النزاعات  و التي هي ذات الصلة بالمواجهة الحالية في الحرم الجامعي.

يركز الحوار التاريخي على حدث حدد بناء الهوية الوطنية للمجتمعات التي تعاني من الصراع. فهو يعالج ، ومن خلال نهج قائم على الحقائق، الجهل الذي يعد أرضا خصبة للتطرف من خلال إعطاء صوت للجماعات التي تضرب هويتها الوطنية بجذورها في التاريخ.

النكبة تعني "الكارثة" باللغة العربية. يتم تذكرها على أنها فترة مأساة هائلة وصدمة جماعية للشعب الفلسطيني، حيث تم تهجير 750 ألف شخص في حرب فلسطين عام 1948. تشير النكبة إلى تدمير المجتمع الفلسطيني وثقافته وهويته. وهو يشير أيضاً إلى تدمير التطلعات الوطنية الفلسطينية، حيث فر الفلسطينيون من منازلهم وقراهم بحثاً عن الأمان من المستوطنين اليهود الذين هم كانوا تحت وطأة الصدمة بسبب الهولوكوست.

إن النكبة ليست مجرد حدث تاريخي، فهي تشير إلى القمع المستمر للفلسطينيين المحرومين من حق العودة كلاجئين. فهي تحدد الهوية الوطنية الفلسطينية، التي ولدت في خضم الألم والخسارة. يحيي الفلسطينيون يوم  15 آيار باعتباره "يوم النكبة". تمثل الذكرى القادمة فرصة لمناقشة أحداث عام 1948، وإحياء ذكرى معاناة الفلسطينيين، وإعادة الالتزام بالعدالة الاجتماعية للشعب الفلسطيني، وكذلك أمن إسرائيل.

لم تحدث النكبة اعتباطاً وقد كرّس وعد بلفور عام 1917 التطلعات الصهيونية في بيان الدعم البريطاني "لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين". بدأت الحركة الصهيونية في أوائل القرن العشرين واكتسبت زخماً بعد الهولوكوست التي لقي خلاله ستة ملايين يهودي حتفهم في معسكرات الموت النازية. وقد أُعيد توطين العديد من الناجين في فلسطين كملاذ يمكن للمجتمع اليهودي، الذي دمرته الحرب، أن يلملم جراحه. في 29 تشرين الثاني 1947، أصدرت الجمعية العامة القرار رقم 181، خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، الذي أيد حل الدولتين الذي يتصور إنشاء إسرائيل التي تعيش بسلام إلى جانب دولة فلسطين.

ومع ذلك، رفض الفلسطينيون، الذين شكلوا ما يقرب من ثلثي السكان و كانوا يمتلكون كل الأراضي تقريبًا، القرار رقم 181. ورفضت اللجنة العربية العليا، وجامعة الدول العربية، والزعماء العرب تقسيم الأراضي، زاعمين أن حق تقرير المصير الوطني المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة يمنحهم الحق غير المتنازع عليه في تقرير مستقبلهم. وكانت خطة التقسيم التي أقرتها الأمم المتحدة بعيدة كل البعد عن العدالة. وسيطرت إسرائيل على الأراضي الفلسطينية التاريخية، وعندما ثار الفلسطينيون، قام القوميون الإسرائيليون بطرد الفلسطينيين من منازلهم، وارتكبوا التطهير العرقي.

قليل من اليهود يقدرون أو حتى يعرفون السياق التاريخي لظهور إسرائيل كعضو في المجتمع الدولي. ولا يزال عدد أقل منهم يملك معلومات عن النكبة ومعاناة الفلسطينيين في المنفى. وعلى نحو مماثل، لا يعرف سوى عدد قليل من الفلسطينيين الظروف التي أدت إلى قيام دولة إسرائيل.

وبما أنني عملت كمدير لمؤسسة إيلي ويزل من أجل الإنسانية، فإنني أقدر كيف أن تجربة الهولوكوست محفورة في وعي الناجين. لقد كان الهولوكوست حدثاً حاسماً في الضمير الجمعي لليهود. وُلدت إسرائيل من رماد معسكرات الموت ومعاناة الشعب اليهودي.

يمثل يوم 15 أيار فرصة للإسرائيليين والفلسطينيين لبدء حوار تاريخي لتقاسم تجربتهم. ومن شأن الحوار أن يقطع شوطا طويلا في معالجة المظالم التاريخية، ومساعدة اليهود والفلسطينيين على تنمية التعاطف باعتباره جسرا إلى مستقبل أكثر سلاما.

وأكثر من مجرد التفاهم المتبادل، يمكن ليوم 15 آيار أن يكون مناسبة لأستكشاف تدابير بناء الثقة التي تضفي طابعًا مؤسسياً على الحوار داخل الجامعات والمجتمع ككل. قد يكون من الصعب تصور حوار تاريخي بناء في ظل الظروف الحالية. ومع ذلك، فإن البديل هو استمرار تبادل الاتهامات وتصاعد العنف.

إن الخدمة الاكبر لذكريات النازحين الفلسطينيين واليهود القتلى تكون من خلال اطلاق عملية منظمة، وتبادل المعلومات واستكشاف التعاون. إن الاحتجاجات في الحرم الجامعي هي نداء للاعتراف من قبل أولئك الذين يشعرون بالنسيان والتجاهل. واليوم، هناك فرصة للانتقال من التاريخ المشترك المأساوي، نحو مستقبل حيث الحقوق والتنمية هي التي تحدد العلاقات المجتمعية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

*السيد فيليبس هو المدير السابق لبرنامج جامعة كولومبيا لبناء السلام وحقوق الإنسان والمدير المؤسس لبرنامج حل النزاعات في الجامعة. وهو حاليًا أستاذ مساعد في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورج تاون.

 

Top