• Friday, 21 June 2024
logo

الشرق الأوسط بين ديمقراطيتين!

الشرق الأوسط بين ديمقراطيتين!

كفاح محمود

   تحدّثنا في مقالاتٍ سابقة عن تجارب الديمقراطية في كلّ من تركيا ولبنان وإسرائيل وتلكؤها في تطبيق النموذج الأوروبي او الأمريكي للنظام الديمقراطي، وما واجهها، وما يزال يواجهها إلى حدّ النكوص والعودة إلى النظام الطبيعي الذي يسود تلك المجتمعات التي تعتمد في تفاصيل حياتها على أسس قبلية ودينية أو مذهبية، وما يلحقها من عادات وتقاليد وأعراف، فلقد فشلت تلك التجارب الثلاث، إلا ما يتعلق منها بتداول السلطة بين قوى أنتجتها مجتمعات تراكمت فيها ثقافة تتقاطع مع الثقافة الغربية، تلك الثقافة التي لم تنجح دكتاتورية أتاتورك وقسوته في فرض أزياء وقبعات أوروبية على مواطنيه، فقد طغت متكلسات مجتمعاته وأهّرت أزياء ديمقراطيته الدكتاتورية!.

   بعد تلك التجارب المُرّة، وما أعقبها في كلٍّ من إيران الشاه ومصر، ومن ثم الديمقراطيات المستنسخة في العراق وتونس وليبيا والسودان، اصطدمت جميعُها بحقائقَ تؤكد أن النمط الأوروبي لا يمكن تطبيقه في مجتمعات لم يتبلور فيها مفهوم حر جامع للمواطنة، وما تزال تعاني من تعدّد الولاءات القبلية والطائفية والدينية وحتى المناطقية، ناهيك عن التبلور العرقي والقومي الذي لم يرتقِ بعد إلى مستوى المواطنة الجامعة لكل هذه الانتماءات، وهو بالتالي، أي النمط الأوروبي، يصلح في مجتمعات تجاوزت ظروفَها التاريخية منذ أمد بعيد، وتطبيقها في مجتمعاتنا يعطي نتائج عكسية تماماً، وهذا ما حصل ويحصل اليوم فعلاً، وخير نموذج في التجربة العراقية منذ قرابة العقدين، حيث فشلت كلّ قواه السياسية وحتى الاجتماعية من إنتاج برلمان يمثل الشعب العراقي تحت مظلة مفهوم المواطنة، بل حصل العكس تماماً، إذ تحوّل البرلمان إلى مجلس للأحزاب التي لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من مجموع الأهالي الذين يرفض غالبيتهم حتى فكرة الاقتراع.

   في المقابل، نجحت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في إنتاج مجالس للشورى هي الأقرب إلى سيكولوجية مجتمعاتها وثقافاتها المتأصلة، سواء في التقاليد والعادات أو في مسألة تعدد الولاءات، بحيث منحت فرصة الانتخاب وبنسب محدودة وشروط ملزمة إزاء نسبة أخرى في الاختيار والتعيين على خلفية البناء الاجتماعي المتوارث والقيمة المعرفية والمكانة الاجتماعية والاستشارية للأعضاء المختارين، وهي الأقرب إلى فكرة مجالس الأعيان والشيوخ واللوردات في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول التي تضعُ بعض الكوابح في مجالسها التشريعية لكي لا تتغول أو تتسيد، وإن اختلفت عملية الاختيار، ولذلك نرى أن الناتج الانتخابي في معظم دولنا لا يعبّر حقيقة عن الصورة الحقيقية لواقع مجتمعاتنا بسبب هبوط مستوى نوعية الناخب والمرشح في آن واحد، مما يتطلب إجراءات جدية للارتقاء بمستوى الاثنين من الناحية النوعية تؤهلهم كمرشحين وكناخبين بمستوى تمثيلي رفيع بعيداً عن تمثيل ضيق محصور بمجموعة أحزاب تستخدم شتى الوسائل لإغراء الناخب أو احتوائه.

   ولكي تنتهي مرحلة التأرجح بين نمطين من النماذج الديمقراطية وحالات الفشل والخسائر الكبيرة وكخطوة مهمة لإنجاح أي تجربة للنظام الديمقراطي بعد تطوير النظام التربوي ومناهجه وفصل الدين عن السياسية في بلداننا يفترض البدء بإجراءات ضرورية جدا تتعلق بمجموعة ضوابط مشددة للناخبين، في مقدمتها رفع سقف العمر للناخب إلى 25 سنة مع شرط إكمال الدراسة الثانوية على الأقل، رغم قناعتي بأن الحد الأدنى يجب أن يكون التحصيل الجامعي (سنتين أو أكثر بعد الثانوية)، يقابله أيضا ما يتعلق بشروط الترشيح للسلطة التشريعية وهي الأخرى مجموعة ضوابط تجعل عملية الانتخاب والترشيح ترتبط بمستوى التعليم، مما يشجع الناخبين على ضرورة التعلم لممارسة حق ليس رخيصاً أو سهلاً، بل يحتاجُ إلى جهد ومميزات تؤهله للقيام به، وفي ذات الوقت ومن خلال التجارب التي تجري في العراق ولعدة دورات برلمانية لم تقنع الأهالي بنجاحها اصبح من الضروري وضع ضوابط وقوانين اكثر شدة وصرامة لقبول المرشحين وفي مقدمتها رفع سقف العمر للمرشّح بما لا يقل عن أربعين عاما مع التشديد في مسألة المؤهلات العلمية والمعرفية، وضوابط اجتماعية وأخلاقية أخرى تؤهّله للجلوس على كرسي البرلمان ممثلاً للشعب لا لحزبٍ أو عشيرة أو دين أو مذهب أو عرق.

[email protected]

Top