• Sunday, 21 July 2024
logo

مفهوم الآخر

مفهوم الآخر
لو أخذنا بنظرية المتطرف في فهم الآخر لتحولت مجتمعاتنا الى خراب، لأن هدف المتطرف الأساس هو إرسال الآخر - الذي يخالفه أو لا يوافقه الرأي - الى الجحيم، فهو يرى نفسه وكيلا عن الله، والأدهى من ذلك أن هذا الفهم المتفسخ تضييق لرحمة الله الواسعة التي غلبت غضبه، فالله هو الذي خلق الخلق، وجعل الناس مختلفين قومية ودينا وعقيدة، فلا يمكن لأي إنسان أن يقضي على هذا التنوع الإلهي، ويفرض صيغة دينية أو فكرية معينة على الآخرين، فالله قادر على أن يجعل الناس جميعا مؤمنين على دين واحد، ولكنه لا يريد القضاء على التنوع، فجمال الدنيا بتنوعها وتلونها كجمال الحدبقة المليئة بالأزهار والورود المتنوعة، فالله ترك الاختيار للبشر، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد عاتب رسوله(ص) عندما كان يحاول اللجوء الى أسلوب الإكراه لشدة حرصه على إيمانهم ورأفته ورحمته بهم، فقال تعالى له:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى، يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }.
إن فهم الآخر ركيزة أساسية لحفظ مجتمعاتنا من التشرذم والتشظي، وعندما نفهم الآخر فهذا يعني قبوله كما هو بغض الطرف عن دينه ومذهبه وعقيدته وقوميته وانتماءه السياسي والفكري والديني، لأننا لسنا مسؤولين عما يعتقده، بل نحن مطالبون بقبوله كما هو واحترامه كإنسان، وهذا الإنسان إما أخ لك في الإنسانية أو الوطن أو الدين أو القومية، وما الحروب التي اندلعت في التاريخ إلا نتيجة طبيعية لعدم فهم الآخر وتهميشه وإقصاءه وسحقه ومحقه، ولقد قال علي بن أبي طالب:" الناس صنفان: إما أخ لك في الدين, أو نظير لك في الخُلُق". ليس في الكون دين إلا وفيه طائفة معتدلة تدعو الى هذا الفهم السليم للآخر، ولا أريد الحديث عن المتطرفين فقد تناولتهم في مقالاتي السابقة، ولا ريب أن السلام لن يتحقق في أي بلد أو مجتمع إلا بترسيخ هذه الفلسفة، أي فلسفة قبول الآخر، ولقد تصدى العقلاء والحكماء والفلاسفة والنقاد والمثقفون والمفكرون الى التطرف والعنف الديني، وذلك من أجل نشر التسامح وقبول الآخر حتى تعيش بلداننا ومجتماعتنا في أمان وسلام واستقرار وتعايش ومحبة، ودعنا نذكر بعض الأمثلة على ما نحن بصدده، خذ مثلا في الديانة اليهودية تقول كارين آرمستورنغ:" كان الحاخامات يشددون دوما على أن العنف الموجه نحو البشر الآخرين مساوٍ لإنكار الله الذي خلق الرجال والنساء على صورته".
وفيما يخص المسيحية فحرب الثلاثين معروفة حيث كانت مأساة حقيقية في تاريخ المسيحية، وكذلك الحروب الدموية بين الكاثوليك والبروتستانت، مما دفع العقلاء منهم الى الوقوف بقوة ضدها، ووضع نهاية لهذه الكوارث الحقيقية، لكي يحل التسامح محل العنف، يقول المؤرخ الفرنسي الشهير جاك لوغوف:" إن مفهوم التسامح لم يظهر في الغرب إلا في القرن السادس عشر، وقد طبقوه لأول مرة على أتباع المذهب البروتستانتي الذين كانوا يُعتبرون بمثابة الهراطقة في فرنسا، ونشر مرسوم التسامح سنة (1562) ثم تم التأكيد عليه عام(1695) في عهد الملك هنري الرابع من أجل حقن الدماء وإيقاف الحرب الأهلية التي أنهكت الشعب الفرنسي، لكن لويس الرابع عشر ألغاه في القرن السابع عشر عندما حاول إجتثاث جذور المذهب البروتستانتي في المملكة الفرنسية"، وهنا وقفت جان داراك في عرصات باريس شاهدة على شناعة تلك العصور البربرية وقساوة تلك القلوب الوحشية، فأُحْرِقَتْ حية آنذاك من قبل رجال الدين لكونها تعاقدت مع الشيطان، واليوم تعد في مصاف القديسات، لأنهم اليوم اكتشفوا بشاعة ما ارتكبوه من جرائم في التاريخ، وبراءة هذه القديسة الطاهرة البريئة التي ضحت بروحها من أجل إنهاء الحروب وبناء السلام والتسامح وقبول الآخر، ونموذج آخر مهم يجب ذكره ههنا، وهو موقف فريدريك الثاني والذي عرف بالملك المستنير تلميذ الفيلسوف الفرنسي فولتير، حيث برر سبب استضافته الكاثوليك في بلاده قائلا:" كل الأديان متساوية وجيدة لو كان الأشخاص الذين يدينون بها شرفاء، ثم تحدث عن قدوم الاترااك والوثنيين للعيش في بلاده، ووعد ببناء الجوامع والمعابد لهم، ثم قال: يجب قبول جميع الأديان ، ثم طلب من النائب العام أن يسهر على عدم مساس أحدهما بالآخر، لأن كل إنسان في هذه البلاد يجب أن يتوصل الى الخلاص على المذهب الذي اختاره".
وفي الهند نجد موهانداس مهاتما غاندي(1948) حيث قال:" لا يستثني حبي أحدا، لا يمكنني أن أحب المسلمين والهندوس وأكره الإنكليز، لأني لو أحببت الهندوس والمسلمين فقط لأن طريقتهم ترضيني، فإني في القريب قد أكرههم إذا أصبحت مستاء من طريقتهم، وهو مما يمكن أن يحدث في أي لحظة، إن الحب الذي ينبني على أن نحب من نرى فيه الخير والصلاح فقط هو حب التجار". ومع هذا الموقف الإنساني الراقي لكن المتطرفين لم يتحملوا هذه الفلسفة الإنسانية الراقية منه فاغتالوه، متهمين إياه بالميل الى المسلمين، وأنه ساعد الباكستانيين في تبرعاته، ونجد في الهند أيضا وفي الديانة السيخية Sikhism موقف مؤسس هذه الديانة المعلم ناناك Guru Nanak - وكلمة Guru في اللغة السنسكريتية تعني المعلم-، حيث يقول:" إن البشر يجب أن يفطموا عن التعصب الذي يجعلهم يهاجمون معتقدات الآخرين، ثم قال: إن من يتعامل مع البشر باعتبارهم متساويين فهو المتدين الحق".
وفي الديان البوذية نرى الرهبان والتلميذ يقرؤون صلاة بوذا كل صباح، وهي تقول:" لتكن كل الكائنات سعيدة، ضعيفة كانت أو قوية، رفيعة كانت أو وضيعة الشأن، عظيمة كانت أو ضئيلة، مرئية كانت أو غيلا مرئية، قريبة كانت أو بعيدة، حية كانت أو لم تولد بعد، لتكن جميعها في السعادة الكاملة، نتمنى أن يرغب أحد في إيذاء أحد أو يغضب عليه أو يكرهه، لنقدر ونحب الكائنات جميعها كما تحب الأم ابنها الوحيد، ولتملأ أفكارنا المُحِبة كل العالم من دون حدود ارادة الخير اللامحدود لجميع العالم المتحررة من قيود الكراهية والعداء". ففلسفة بوذا هي أن الحياة الأخلاقية هي الحياة من أجل الآخرين.
وفيما يخص الإسلام فلا أريد ذكر نماذج كثيرة لأني كتبت بحثا كاملا حول التعايش الديني وقبول الآخر في الإسلام، ولكن لا بأس من الإشارة الى موقف عظيم من عمر بن الخطاب عندما زار بيت المقدس، يقول المؤرخ ميخائيل السرياني في القرن الثاني عشر الميلادي وهو يتحدث عن زيارة عمر بن الخطاب للقدس، حيث قال:" لم يسأل المسلمون أحدا عن عقيدته أو دينه، ولم يضطهدوا أحدا بناء على دينه كما فعل اليونان". وعندما دخل عمر بن الخطاب كنيسة القيامة في القدس، وحان وقت الصلاة، فقال لمن حوله: إن الكنيسة مكان عبادة الله، ويجوز الصلاة فيها، ولكنه يخشى أن يأتي يوم يقول فيه المسلمون: إن عمر صلى هنا، فيقتطعون من الكنيسة مسجداً لهم، فخرج وصلّى على بعد (500م) منها، وبني مسجدا سمّي بمسجد عمر.
وفي مطلع القرن السادس عشر ظهرت ثلاث امبراطوريات مسلمة، الامبراطورية العثمانية في تركيا، والصفوية في ايران، والمغولية في شبة القارة الهندية، نجد أن الأمبراطورية المغولية كانت أفضل من كلتا الامبراطورتين، لكونها اعتمدت على روح الفكر والفلسفة والعقل والمنطق، بينما اعتمدت الامبراطوريتان العثمانية والصفوية على المذهب، فالعثمانية اعتمدت على المذهب الحنفي السني، والصفوية اعتمدت على المذهب الاثناعشري الجعفري الشيعي، ولهذا لم نجد التسامح الطائفي في كلتا الامبراطوريتين عبر التاريخ الطويل وحتى هذه اللحظة التي أكتب هذه السطور، أي في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، والجمهورية الإسلامية في إيران، بينما الامبراطورية المغولية كانت أفضل حالا، خذ مثلا موقف جلال الدين أكبر الامبراطور المغولي الثالث(1605) حيث قرر التوقف عن الصيد احتراما للهندوس، ومنع التضحية في عبد ميلاده حتى أصبح نباتيا، ثم أسس بيتا للعبادة حيث يجتمع العلماء من الأديان كافة ليناقشوا المسائل الروحانية بحرية".
وفيما يخص كوردستان فهذه الفلسفة مترسخة في مجتمعنا عبر التاريخ الطويل، ولا يخفى أنه خلال فترة من الفترات ظهرت جماعات متعصبة أرادت فرض عقيدتها الايدلودجية على كوردستان، لكنها فشلت لأنها لم تستطع تبيئة نفسها في بيئة متنوعة دينيا وفكريا وقوميا وسياسيا، ولا ننسى دور بعض علماء الدين والمفكرين وكذلك قيادة كوردستان في محاربة الفكر التكفيري والإقصائي المتطرف، ونشر ثقافة السلام والتعايش السلمي وقبول الآخر، يقول توماس بووا:" إن الكورد مجتمع متعدد الديانات والاعتقادات الروحية لوجود تنوع واضح في تعدد الأديان، وانتشار للمذاهب الدينية المتعددة، فغير تلك المنتشرة في محيطهم، تنتشر في كردستان مذاهب خاصة بهم فقط، ولهذا يمتلك شعب كردستان فيسفاء ديني أشمل من ذلك الذي يمتلكه البلدان المجاورة"، وسأكتفي بضرب بعض الأمثلة عن منطقتي في بارزان حول موقف مشيخة بارزان من المسيحيين، كتب نائب القنصل البريطاني في ديار بكر وهو يقول:" إن الشيخ عبد السلام بحق من أحسن شيوخ المنطقة، فلم يكن له مع الحكومة إلى فترة قريبة أية مشاكل، وهو عادل في معاملة رعيته، وحام للنصارى"، وجه أندرانيك الأرمني عام(1920م) رسالة يطلب من الشيخ أحمد البارزاني إنقاذ عائلته المهددة بالموت حسب تعبيره، من مجازر الأتراك، فلبى طلبه، وشكل فصيلة بقيادة (وليد بك)، وكان ملا مصطفى شابا من ضمن الفصيلة، فصارت الفصيلة بين العشائر الموالية للأتراك على أنها بطريقها إلى مذبحة الأرمن، هذه الحيلة مكنتها من إنقاذ عائلة أندرانيك، ونقلها إلى الأراضي السورية، وقد قتل من جراء هذه العملية (14) أربعة عشر شخصا من البارزانيين، ولهذا كان المسلمون والمسيحيون واليهود في هذه المنطقة يعيشون بسلام ووئام وأمان لا يتعرض أحد لأحد، ولا ينظر إليه ولا يتعامل معه من خلال دينه بل من خلال كونه فردا من أفراد هذه المنطقة، هذه المنطقى التي يضرب بها المثل عبر التاريخ وحتى الآن بالتعايش السلمي وقبول الآخر، والأمثلة عديدة حول هذه المسألة، لا نستطيع ذكرها جميعها، لأننا تناولنا هذه المسألة في موضع آخر.
Top